ألفريد نوبل الذهب الذي غسل غبار الديناميت

ألفريد نوبل: الذهب الذي غسل غبار الديناميت
 حين يرى الإنسان صورته في ذاكرة الآخرين
في صباحٍ من عام 1888، فتح الكيميائي السويدي ألفريد نوبل صحيفةً في باريس، ليجد خبراً عن موته.
لم يكن قد مات.
كان الذي مات شقيقه لودفيغ، لكن بعض الصحف أخطأت في الخلط بين الأخوين، فنشرت خبراً عن وفاة ألفريد. وظهرت في الروايات اللاحقة قصةٌ شهيرة تقول إن أحد تلك الأخبار حمل عنواناً قاسياً: «تاجر الموت مات»، ووصف نوبل بأنه الرجل الذي جمع ثروته من ابتكار وسائل تتيح قتل عدد أكبر من البشر في وقت أقل.
لكن هنا تبدأ الحكاية التي تستحق أن نتوقف عندها.
فالنص الشهير لذلك النعي لم يعد ثابتاً تاريخياً كما تناقلته الكتب والمقالات؛ بل إن الباحثين أشاروا إلى أن الصحيفة التي يُنسب إليها النص الكامل لم يُعثر على أصلها بصورة حاسمة، في حين وُجد بالفعل نعي فرنسي خاطئ لنوبل، ثم تصحيح في اليوم التالي.
قد تكون بعض الكلمات التي اشتهرت لاحقاً قد أضيفت إلى الحكاية.
لكن السؤال الأهم لا يحتاج إلى تلك الكلمات كي يبقى.
ماذا لو قرأ الإنسان، قبل موته، الطريقة التي قد يتذكره بها العالم بعد موته؟
—
كان ألفريد نوبل كيميائياً ومخترعاً ورجل أعمال بنى ثروة هائلة من اختراعات عديدة، وكان الديناميت أشهرها.
ولم يكن الديناميت اختراعاً للنيتروغليسرين نفسه؛ فقد كان النيتروغليسرين معروفاً قبله، لكنه كان شديد الخطورة وصعب التعامل. عمل نوبل على حل هذه المشكلة، ونجح في تثبيته داخل مادة مسامية تُعرف بالـ«كيزلغور»، فتحول إلى مادة أكثر أماناً وأسهل في النقل والاستخدام، وحصل على براءة اختراع الديناميت عام 1867.
كان للديناميت وجهان.
في يد المهندس، كان يستطيع أن يشق الجبل ويفتح نفقاً ويختصر المسافات.
وفي يد الحرب، كان يستطيع أن يجعل الموت أكثر قدرة على الوصول.
وهذه هي المفارقة التي ستلاحق نوبل طويلاً:
الاختراع الذي أراد الإنسان أن يستخدمه لتغيير شكل الأرض، استطاع الإنسان نفسه أن يستخدمه لتغيير شكل الموت.
ولم يكن نوبل غريباً عن عالم الصناعة العسكرية؛ فقد ارتبط خلال حياته أيضاً بتطوير صناعات الأسلحة، وامتلك في عام 1894 شركة بوفورس، التي اتجه تحت ملكيته إلى صناعة المدافع.
لذلك لم تكن صورته أمام العالم بسيطة.
كان عالماً.
ومخترعاً.
ورجل صناعة.
ورجل ثروة.
وكان أيضاً اسماً ارتبط بالمتفجرات والأسلحة.
ثم جاءت المرآة.
صحيفة.
بضعة أسطر.
وربما، سواء كانت الرواية المتداولة قد حفظت الكلمات بدقة أم لا، فإن الفكرة نفسها كانت قاسية بما يكفي:
ماذا سيبقى منك عندما لا تعود موجوداً لتشرح نفسك؟
—
ربما هنا تكمن أهمية القصة.
ليس لأن نوبل قرأ نعيه فقرر، في اللحظة نفسها، أن يخترع جائزة السلام.
فهذه صيغة جميلة، لكنها أكثر يقيناً مما تسمح به الوثائق.
كان نوبل قد كتب أكثر من وصية خلال حياته، وكان اهتمامه بالسلام والأدب والعلم سابقاً على وصيته الأخيرة. كما تأثر بعلاقاته الفكرية والشخصية، ومن بينها علاقته بالكاتبة والناشطة من أجل السلام برتا فون زوتنر.
ولهذا ربما تكون الحقيقة أكثر إنسانية من الأسطورة.
لم يكن هناك بالضرورة صباح واحد استيقظ فيه نوبل وقال:
سأغسل اسمي.
ربما كان الأمر أبطأ.
فكرة تتكون.
قلق يتراكم.
سؤال يعود مرة بعد أخرى:
حين أموت، ماذا سيبقى مني؟
—
في 27 نوفمبر 1895، جلس نوبل في باريس ووقّع وصيته الأخيرة.
وضع معظم ثروته في صندوق، على أن تُوزع عوائدها سنوياً على جوائز لمن قدموا، بحسب نص وصيته، «أكبر منفعة للبشرية».
خُصصت الجوائز الأصلية للفيزياء والكيمياء والطب والأدب والسلام. وقد ذهب نحو 94% من إجمالي أصوله إلى تأسيس هذه الجوائز الخمس.
لم تكن تلك وصية رجل يترك مالاً لأقاربه فقط.
كانت محاولة لصناعة أثر.
أثر لا يشبه الرجل الذي صنعت المتفجرات ثروته.
وهنا يصبح الذهب أكثر إثارة للانتباه من الرخام.
لأننا، نحن البشر، نميل إلى النظر إلى الأشياء التي تُصلح ما انكسر فيها.
لكن هل الإصلاح يمحو الكسر؟
—
تأمل الميدالية الرخامية على الغلاف.
وجه نوبل ساكنٌ داخل الحجر.
وحوله إكليل من الغار الذهبي.
لكن الرخام ليس سليماً تماماً.
تشققه عابرٌ لوجهه.
ذهبٌ يتسلل داخل الكسر.
إنها تقنية الكينتسوجي اليابانية في صورتها الرمزية: لا تخفي الشق، بل تجعله مرئياً، وتمنحه قيمة جديدة.
وهنا يصبح الرخام نوبل نفسه.
والذهب هو الجائزة.
أما الشق…
فهو الماضي.
—
وهنا تنفتح المرآة علينا.
كم مرة حاولنا أن نترك في ذاكرة الآخرين نسخةً أفضل من النسخة التي يعرفونها؟
كم مرة اعتذرنا، لا لأن الاعتذار أعاد ما كُسر، بل لأننا لم نحتمل أن نبقى في ذاكرة شخص آخر بصورةٍ لا تشبه الصورة التي نحبها لأنفسنا؟
كم مرة صنعنا «جائزة سلام» صغيرة بعد أن فجّرنا ديناميتنا الخاص؟
كلمة طيبة بعد قسوة.
هدية بعد إهمال.
اعتذار بعد جرح.
وفعل خير بعد أن اكتشفنا متأخرين أن بعض أفعالنا كان لها ثمن على الآخرين.
نحن لا نعيش فقط بما فعلناه.
أحياناً نعيش أيضاً بالخوف من كيف سيُروى ما فعلناه بعد أن نغيب.
—
لكن هناك شيئاً لا تستطيع أي جائزة أن تفعله.
لا تستطيع أن تعيد الزمن.
ولا أن تجعل الديناميت لم يكن موجوداً.
ولا أن تمنح الإنسان حياةً ثانية ليعيش حياته الأولى بطريقة مختلفة.
كل ما تستطيع فعله هو أن تضيف سطراً جديداً.
وهذا ربما ما فعله نوبل.
لم يمحُ الماضي.
بل ترك إلى جانبه شيئاً آخر.
شيئاً جعل اسمه، بعد موته، يُستدعى في المختبرات والجامعات وكتب الأدب ومجالس السلام، لا في مصانع المتفجرات وحدها.
وهنا تكمن المفارقة الأجمل:
الرجل الذي صنع ثروته من القدرة على تفجير الأشياء، ترك وراءه مؤسسةً تقوم على الاحتفاء بما يبنيه الإنسان.
—
أما المعنى المتأخر…
فليس أن ألفريد نوبل كان قديساً أخطأ.
ولا أنه كان مجرماً اشترى براءته بالمال.
التاريخ أكثر تعقيداً من ذلك.
وربما كان نوبل نفسه أكثر تعقيداً.
كان مخترعاً عاش في عصرٍ رأى في العلم قوةً هائلة، ورجل أعمال استفاد من تلك القوة، وإنساناً كان يفكر في السلام والأدب والعلم، ورجلاً ترك وصية غيّرت الطريقة التي يتذكر بها العالم اسمه.
لكن الإنسان لا يستطيع دائماً أن يختار الصورة الأولى التي يتركها.
ما يستطيع اختياره أحياناً هو ما يفعله بعد أن يراها.
وربما لهذا لا تكون قصة نوبل قصة جائزة.
بل قصة رجلٍ رأى، أو ظن أنه رأى، صورته في مرآة المستقبل.
ثم أمضى سنواته الأخيرة وهو يضيف حولها طبقاتٍ جديدة من المعنى.
حتى أصبح اسمه، بعد موته، مرتبطاً بالسلام أكثر مما ارتبط بالبارود.
ومع ذلك…
ظل الشق موجوداً.
فالذهب لا يمحو الكسر.
إنه فقط يجعلنا نراه بطريقة أخرى.
وهذا هو المعنى الذي لا يظهر إلا متأخراً:
قد لا نستطيع أن نعيد كتابة ما فعلناه، لكننا نستطيع أن نختار السطر الذي سنضيفه بعده.
ثم يسكت النص.
تبقى الميدالية الرخامية وحدها.
وجه نوبل داخل الحجر.
شقوقٌ لا تختفي.
وذهبٌ يلمع داخلها.
كأن التاريخ، بعد كل هذه السنوات، لم يغلق الصفحة…
بل اكتفى بأن يضع حول الجرح إطاراً من الذهب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top