كاتاكومب باريس: حين رتّبت المدينة موتاها تحت شوارع الأنوار

أسفل شوارع الأنوار: حين نقلت باريس موتاها إلى تحت الأرض

في باريس، هناك مدينة لا يراها أحد.

فوقها، المقاهي مضاءة، والسيّاح يعبرون الشوارع، والواجهات الحجرية تواصل لمعانها تحت الشمس. تمضي المدينة في حياتها اليومية كما لو أن الأرض تحت أقدامها صلبة، ممتلئة بالحاضر.

لكن تحت بعض شوارعها، تبدأ مدينة أخرى.

ممرات من الحجر الجيري، غرف منخفضة، أعمدة، عتمة لا تصل إليها الشمس، وجدران خلفها عظام بشرية لا تحمل أسماء أصحابها.

هنا، في الجزء من المحاجر القديمة الذي أصبح لاحقًا المستودع البلدي لعظام باريس، توجد الكاتاكومب.

ولم تبدأ الحكاية بالرغبة في بناء مقبرة تحت الأرض.

بدأت بمشكلة أبسط وأكثر قسوة:

ماذا تفعل مدينة بموتاها عندما تعجز مقابرها عن احتوائهم؟

عندما امتلأت الأرض

في قلب باريس القديمة، كانت مقبرة الأبرياء، Les Saints-Innocents، واحدة من أكبر مقابر المدينة.

لم تكن مقبرة حديثة بالمعنى الذي نعرفه اليوم. فقد استُخدمت قرابة عشرة قرون، حتى أُغلقت سنة 1780 بعد أن أصبحت مشكلة صحية وعمرانية خطيرة.

ومع تراكم الدفن، لم يعد الموت منفصلًا عن حياة الأحياء.

كانت المقابر محاطة بالمنازل، والجثث والرفات تتراكم في الحفر الجماعية والمقابر والأروقة.

ثم وقع ما جعل المشكلة مستحيلة التجاهل.

انهارت إحدى الحفر الجماعية، وامتد أثر المقبرة إلى قبو منزل مجاور.

لم تعد المسألة تتعلق بكيفية دفن الموتى فقط.

لقد أصبحت المدينة نفسها مهددة بما تخفيه تحت سطحها.

وفي أواخر القرن الثامن عشر، بدأت باريس تبحث عن مكان آخر.

ليس فوق الأرض.

بل تحتها.

المدينة التي اختارت جوفها

كانت باريس تعرف أصلًا ما يوجد تحتها.

منذ قرون، استُخرج الحجر الجيري من باطن الأرض لبناء أجزاء من المدينة. ومع مرور الزمن، تشكلت شبكة واسعة من المحاجر والفراغات الجوفية.

لكن هذه الفراغات لم تكن في الأصل مقبرة.

كانت محاجر.

وفي هذه المفارقة تبدأ القصة الحقيقية للكاتاكومب:

المكان الذي ساعد في بناء باريس فوق الأرض، سيصبح لاحقًا مكانًا تُخفى فيه عظام أهلها.

اختارت السلطات محاجر تومب-إيسوار، الواقعة آنذاك خارج حدود باريس، لإنشاء المستودع الجديد.

وفي 7 أبريل 1786، جرى تكريس المكان رسميًا بوصفه المستودع البلدي لعظام باريس.

ومنذ ذلك الوقت بدأ الاسم الذي سيصبح أشهر من وظيفته الإدارية:

الكاتاكومب.

كان الاسم مستوحى من كاتاكومبات روما التي أثارت فضول الأوروبيين، لكن المكان الباريسي لم يكن مقبرة مسيحية رومانية قديمة.

كان شيئًا أكثر حداثة وأقل شاعرية:

حلًا بلديًا لمشكلة حضرية.

في الليل خرج الموت من المدينة

بين عامي 1785 و1787، بدأت أولى عمليات نقل العظام من مقبرة الأبرياء.

لم يكن النقل احتفالًا دينيًا ولا موكبًا عامًا.

كانت العربات تتحرك ليلًا.

تُجمع العظام من المقابر، ثم تُنقل إلى المحاجر القديمة، وتُفرغ في البداية بصورة غير منظمة عبر آبار الخدمة، قبل أن يقوم عمال المحاجر بتوزيعها وتكديسها داخل الممرات.

ثم استمرت عمليات النقل من مقابر أخرى في باريس حتى 1814، قبل أن تستأنف مرة أخرى خلال عمليات التوسع وإعادة تنظيم المدينة في القرن التاسع عشر، وصولًا إلى آخر الإيداعات الكبرى المرتبطة بأعمال هوسمان سنة 1860.

شيئًا فشيئًا، لم تعد العظام التي تحت باريس تنتمي إلى مقبرة واحدة.

لقد أصبحت طبقات من تاريخ المدينة نفسها.

أجيال كاملة، أحياء كاملة، مقابر كاملة…

تحولت إلى رفات في مدينة لا يعرف أحد أسماء معظم أصحابها.

لكن العظام لم تبقَ كما وصلت

في البداية، لم يكن هناك هذا المشهد الذي نعرفه اليوم.

لم تكن الجماجم مصطفة في واجهات هندسية.

ولم تكن العظام مرتبة على هيئة جدران ذات إيقاع بصري.

كانت العظام قد أُلقيت في المحاجر وتكدست خلف الممرات.

ثم حدث التحول.

في بداية القرن التاسع عشر، أعيد تنظيم المستودع تحت إشراف المفتش العام للمحاجر هيريكار دو ثوري.

وهنا تغير معنى المكان.

لم تعد الكاتاكومب مجرد مستودع للعظام.

أصبحت فضاءً مصممًا.

صُفّت عظام الفخذ والساق في واجهات، وتناوبت معها الجماجم، بينما تكدست بقية العظام خلف هذه الواجهات.

وأضيفت إلى المسار عناصر معمارية ذات طابع قديم ومصري، ونُصبت أعمدة ومذابح وشواهد وقبور رمزية.

كما وُضعت ألواح تحمل نصوصًا دينية وشعرية وفلسفية.

لم تعد العين تدخل إلى مكان تُخزّن فيه العظام فقط.

كانت تدخل إلى مشهد صُمم لكي يجعل الإنسان يفكر في الموت.

عندما أصبح الموت متحفًا

في عام 1809، فُتحت الكاتاكومب للزوار، في البداية بمواعيد محددة.

وفي نهاية المسار، وُضع سجل يستطيع الزائر أن يكتب فيه انطباعه.

ومنذ ذلك الوقت بدأت مفارقة جديدة.

المكان الذي أُنشئ في الأصل لأسباب تتعلق بالصحة والنظام العام أصبح مقصدًا للفضوليين.

دخل إليه الفرنسيون والأجانب.

زارته شخصيات من الطبقة الحاكمة.

وأصبح المستودع الذي كان يفترض أن يخفي مشكلة المدينة مكانًا يذهب الناس إليه عمدًا كي يروا ما أخفته المدينة.

وهنا انقلبت العلاقة بين الأحياء والموتى.

في البداية، كان الهدف:

إبعاد الموت عن الحياة.

ثم أصبح الهدف:

جعل الحياة تنظر إلى الموت.

الجدار الذي لا يخفي شيئًا

قد تبدو جدران العظام للوهلة الأولى محاولة لتجميل الموت.

لكنها في الحقيقة تفعل شيئًا أكثر غرابة.

إنها تخفي ملايين الأجساد، لكنها تكشف العظام.

تخفي الاسم، لكنها تُظهر الإنسان.

تزيل الوجه، والملابس، والمهنة، والبيت، والعائلة، واللغة، وكل ما يجعل الإنسان فردًا منفصلًا عن الآخرين.

ويبقى شيء واحد:

العظم.

ولهذا فإن أكثر ما يثير التفكير في الكاتاكومب ليس عدد الجماجم.

بل غياب الأسماء.

فالإنسان الذي كان فوق الأرض شخصًا كاملًا، له تاريخ وبيت ووجه وصوت، أصبح في جوف المدينة جزءًا من جدار.

لا نعرف من كان ملكًا.

ولا من كان فقيرًا.

لا نعرف من أحب ومن خسر، ومن انتظر عودة شخص لم يعد.

كل ذلك اختفى.

وبقيت المادة الأخيرة التي لا تحتاج إلى ترجمة.

هندسة الفناء

ربما لهذا السبب لا تكفي تسمية الكاتاكومب «مقبرة».

المقبرة تحفظ عادةً شيئًا من الفرد:

اسمًا، شاهدًا، تاريخ ميلاد، تاريخ وفاة، دعاءً، أو مكانًا يستطيع الأحياء أن يعودوا إليه.

أما هنا، فقد حدث شيء مختلف.

لقد جُمعت بقايا أناس كثيرين في مكان واحد، ثم أعيد ترتيبها ضمن هندسة واحدة.

لقد أصبح الموت نظامًا بصريًا.

الجماجم في صفوف.

العظام في جدران.

الممرات محددة.

والنصوص موزعة على الطريق.

حتى الصمت له مسار.

وهذا هو الجزء الأكثر غرابة في التجربة:

المدينة التي عجزت عن السيطرة على الموت في مقابرها، عادت إلى جوف الأرض لتفرض عليه النظام.

تحت المدينة التي لا تنام

توجد الكاتاكومب اليوم على عمق يقارب عشرين مترًا تحت الأرض، ومسار الزيارة المعروف لا يمثل سوى جزء من هذا العالم الجوفي.

لكن الاسم نفسه كثيرًا ما يُستخدم بصورة أوسع للدلالة على شبكة المحاجر التي تمتد تحت باريس.

وهنا ينبغي التمييز.

الكاتاكومب ليست كل ما يوجد تحت باريس.

إنها جزء محدد من المحاجر القديمة حُوّل إلى مستودع للعظام.

ومع ذلك، ربما كان هذا الجزء المحدد كافيًا ليمنح المدينة مرآتها الأكثر قسوة.

فوق الأرض، باريس هي العمارة والفن والضوء.

تحتها، تظهر مادة أخرى من تاريخها:

الحجر الذي بُنيت منه المدينة…

والعظام التي عاش أصحابها فيها.

ما الذي أرادت باريس أن تفعله بالموت؟

ربما كان السؤال الحقيقي الذي طرحته الكاتاكومب لم يكن:

أين نضع موتانا؟

بل:

كيف نعيش معهم بعد أن يموتوا؟

في البداية، أرادت باريس أن تنقل العظام بعيدًا عن البيوت والمياه والشوارع.

ثم رتبتها.

ثم وضعت حولها نصوصًا.

ثم فتحت المكان للزوار.

وفي النهاية، أصبح الناس ينزلون من المدينة المضيئة إلى المدينة المظلمة كي يتأملوا مصيرهم.

كأن باريس لم تستطع أن تتخلص من الموت.

فاضطرت إلى أن تنظمه.

المعنى الذي بقي تحت الشوارع

هناك شيء غريب في المدن الكبرى.

كلما ارتفعت فوق الأرض، احتاجت إلى مساحة أكبر تحتها كي تخفي ما لا تستطيع الاحتفاظ به فوق سطحها.

باريس بنت قصورها وشوارعها فوق الأرض.

لكن جزءًا من تاريخها بقي في الأسفل.

وفي مكان ما تحت الشوارع، لا تزال الجماجم مصطفة في صمت.

لا تطلب أسماءها.

ولا تروي قصصها.

ولا تعرف شيئًا عن المدينة التي تغيرت فوقها.

إنها فقط تذكّر بشيء يعرفه كل إنسان، لكنه يحاول طوال حياته أن يؤجله:

أن الحضارة تستطيع أن تبني فوق الموت.

أن تضع له نظامًا.

أن تمنحه جدرانًا ونصوصًا ومسارات للزيارة.

لكنها لا تستطيع أن تلغيه.

ولهذا ربما لا تكون الكاتاكومب مدينة للموتى بقدر ما هي مدينة للأحياء الذين ينزلون إليها ليتذكروا أنهم أحياء.

وفوقهم، تستمر باريس في الإضاءة.

وتحتهم، يستمر الصمت.

وبين المدينتين…

يمشي الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top