فرويد → دوستويفسكي → فيكتور هوغو → شكسبير الإنسان حين ينكشف ما وراء صورته الظاهرة.

خلف السطور

فرويد → دوستويفسكي → فيكتور هوغو → شكسبير
 الإنسان حين ينكشف ما وراء صورته الظاهرة.
1. سيغموند فرويد: حين اكتشف الإنسان أنه لا يعرف نفسه
 أخطر ما في الإنسان ليس ما يخفيه عن الآخرين، بل ما يخفيه عن نفسه.
في غرفة هادئة في فيينا، كان رجل يطلب من مرضاه شيئًا لم يكن سهلًا عليهم:
تحدثوا.
لا ترتبوا أفكاركم.
لا تحاولوا أن تبدوا عقلانيين.
لا تحذفوا الفكرة لأنها محرجة.
دعوا الكلام يذهب حيث يريد.
كان سيغموند فرويد يصغي.
وخلف الكلمات المتقطعة، والذكريات المنسية، والأحلام، والهفوات، بدأ يطارد فكرة ستغير الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى نفسه.
ماذا لو لم يكن العقل هو السيد الكامل على أفعاله؟
كان الإنسان الحديث يحب أن يرى نفسه كائنًا عقلانيًا.
يفكر، ثم يقرر، ثم يتصرف.
لكن فرويد اقترح صورة أكثر إزعاجًا.
ربما يحدث شيء في الداخل قبل أن نعرف نحن أنه يحدث.
رغبة نرفض الاعتراف بها.
خوف لا نعرف مصدره.
ذكرى دفناها ثم عادت بطريقة أخرى.
صراع قديم يظهر في سلوك يبدو بلا علاقة بالماضي.
وهكذا أصبح اللاوعي أحد المفاهيم المركزية في مشروع فرويد الفكري.
لم تعد النفس غرفة واحدة مضاءة بالكامل.
صارت بيتًا له أبواب مغلقة.
وبعض هذه الأبواب لا نملك مفاتيحها بسهولة.
كان هذا التحول أكبر من مجرد نظرية نفسية.
للمرة الأولى، أصبح الإنسان مدعوًا إلى الشك في أبسط جملة يمكن أن يقولها عن نفسه:
“أنا أعرف نفسي.”
لكن فرويد نفسه لم يكن صاحب الكلمة الأخيرة في علم النفس، وكثير من أفكاره ونظرياته خضع لاحقًا للنقد والمراجعة، وبعضها لم يعد مقبولًا بالمعايير العلمية الحديثة.
ومع ذلك، بقي السؤال.
وهذا هو الجزء الذي يهم «خلف السطور».
لأن قيمة الفكرة أحيانًا لا تكمن في أنها بقيت صحيحة بكل تفاصيلها، بل في أنها غيّرت السؤال الذي نطرحه.
بعد فرويد، صار من الصعب أن ننظر إلى الإنسان باعتباره كتابًا مفتوحًا أمام نفسه.
ربما نعرف وجوهنا في المرآة.
لكننا لا نعرف بالضرورة كل ما يحدث خلفها.
وهنا يصبح الرخام المتشقق في صورته أكثر من مجرد جمال بصري.
فالشقوق ليست عيبًا في الوجه.
إنها صورة للنفس نفسها.
نحن جميعًا نعيش فوق طبقات من الذاكرة والرغبة والخوف والتجربة.
وقد نحتاج أحيانًا إلى عمر كامل حتى نفهم لماذا كنا نتصرف بالطريقة التي تصرفنا بها.
ربما لم تكن أعظم مفاجأة تركها فرويد للإنسان هي اكتشاف اللاوعي.
بل اكتشاف أن الطريق إلى معرفة الذات قد يبدأ من الاعتراف بأننا لسنا شفافين أمام أنفسنا.
2. فيودور دوستويفسكي: حين تصبح النفس ساحة معركة
 الإنسان قد يهرب من العالم، لكنه لا يستطيع الهرب من نفسه.
كان الرجل يقف أمام فرقة الإعدام.
لحظات قليلة فقط تفصله عن الموت.
في عام 1849، اعتُقل فيودور دوستويفسكي بسبب ارتباطه بدائرة فكرية اعتبرتها السلطات الروسية خطرة، وحُكم عليه بالإعدام.
ثم، في اللحظة الأخيرة، جاء إلغاء الحكم.
لم يمت.
لكن شيئًا ما في داخله لم يعد كما كان.
ربما لهذا السبب يصعب قراءة دوستويفسكي باعتباره مجرد روائي.
كان يعرف الخوف.
يعرف الذنب.
يعرف الإيمان والشك.
يعرف الإنسان حين يحاول أن يكون أخلاقيًا ثم يكتشف أن داخله أكثر تعقيدًا مما تصور.
في رواياته لا تجد شخصيات تمشي في خط مستقيم.
كل شخصية تقريبًا تحمل داخلها خصمها.
راسكولنيكوف يريد أن يثبت أن بعض البشر قادرون على تجاوز القانون الأخلاقي، ثم يكتشف أن المشكلة ليست في القانون وحده، بل في نفسه.
إيفان كارامازوف يصارع سؤال الشر والإيمان.
الأبله يضع البراءة في مواجهة عالم معقد وقاسٍ.
أما شخصياته الأخرى فتبدو كأنها تجارب بشرية حية:
ماذا يحدث عندما يتحول الفقر إلى إذلال؟
ماذا يفعل الذنب بالإنسان؟
هل يمكن للعقل وحده أن يصنع أخلاقًا؟
هل يستطيع الإنسان أن يعيش بلا معنى؟
وهنا كان دوستويفسكي مختلفًا عن كثير من الكتاب.
لم يكن يكتب عن الإنسان من الخارج.
كان يدخل إلى رأسه.
ثم يتركه هناك وحيدًا مع نفسه.
لهذا تبدو شخصياته أحيانًا كأنها تتحدث مع نفسها أكثر مما تتحدث مع الآخرين.
فالمعركة الحقيقية ليست دائمًا بين شخصين.
أحيانًا يكون الخصمان داخل الجسد نفسه.
وهذه هي إحدى أعظم أفكار دوستويفسكي:
أن الإنسان ليس مخلوقًا متماسكًا كما يحب أن يعتقد.
قد يريد الخير ويشتهي الشر.
قد يؤمن ثم يشك.
قد يكره شخصًا لأنه يشبه جزءًا منه.
وقد يرتكب خطأ يعرف مسبقًا أنه سيدمره.
لكن دوستويفسكي لم يحوّل هذه التناقضات إلى حكم أخلاقي بسيط.
كان يترك الإنسان داخلها.
وكأنه يقول:
لا تحكم عليه بسرعة.
ادخل أولًا إلى رأسه.
ثم حاول أن تفهم.
وهنا تكتسب صورة الرخام المتشقق معناها.
فدوستويفسكي ليس تمثالًا كاملًا لأن الإنسان الذي كتب عنه لم يكن كاملًا.
الذهب يسير داخل الشقوق، كما لو أن الجرح نفسه أصبح جزءًا من القيمة.
المعنى المتأخر:
ربما لم يكن دوستويفسكي يحاول أن يخبرنا لماذا يخطئ الإنسان.
كان يفعل شيئًا أكثر صعوبة:
كان يجبرنا على النظر إلى الإنسان المخطئ دون أن نتوقف عن رؤية إنسانيته.
ولهذا بقيت شخصياته حية.
لأننا حين نقرأها لا نشعر أننا نراقب غرباء.
نشعر أننا وجدنا أجزاء منا في أماكن لم نكن نريد أن نعثر عليها.
3. فيكتور هوغو: حين وقف الأدب في وجه الظلم
 ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل عندما تكون القوانين نفسها عاجزة عن رؤية الإنسان؟
كان هناك طفل صغير في شارع فقير.
لم يكن يحمل سلاحًا.
لم يكن يملك سلطة.
ولم يكن أحد يتوقع أن تكون حياته مهمة بما يكفي لتدخل كتب التاريخ.
لكن فيكتور هوغو رأى فيه شيئًا.
رأى الإنسان الذي يمكن أن تسحقه الظروف قبل أن يحصل على فرصة عادلة.
ومن هنا لم يعد الأدب عند هوغو مجرد وسيلة للحكاية.
أصبح وسيلة للمواجهة.
في «البؤساء»، لم يكتب هوغو عن جان فالجان باعتباره مجرمًا فقط.
سأل سؤالًا أكثر قسوة:
ماذا لو كان المجتمع نفسه قد ساهم في صناعة الجريمة التي يعاقب عليها؟
رجل يسرق رغيفًا.
امرأة تسحقها الحاجة.
طفل يعيش في الشارع.
شرطي يطارد القانون حتى يصبح القانون في عينيه أهم من الإنسان.
وهكذا وضع هوغو شخصياته في مواجهة نظام اجتماعي كامل.
كان يرى أن الفقر ليس مجرد رقم.
وأن السجين ليس مجرد رقم في سجل.
وأن الطفل الفقير ليس مشكلة إدارية.
خلف كل رقم إنسان.
وخلف كل حكم قصة.
وهذه الفكرة تفسر لماذا لم يكن هوغو مجرد روائي.
كان شاعرًا وكاتبًا ومسرحيًا وشخصية سياسية ذات حضور عام، ودافع عن قضايا مثل إلغاء عقوبة الإعدام وحقوق الفقراء.
وعاش أيضًا سنوات طويلة في المنفى بسبب معارضته لحكم نابليون الثالث.
لكن الأهم أن المنفى لم يخرجه من وطنه تمامًا.
حمل فرنسا معه.
وكتب من بعيد.
وكأن المسافة جعلته يرى وطنه بوضوح أكبر.
في صورة هوغو، لا نرى وجه الكاتب فقط.
نرى الشقوق.
والشقوق هنا يمكن أن تصبح استعارة لمدينة كاملة:
مدينة جميلة من الخارج، لكنها تحمل داخلها طبقات من الفقر والظلم والحرمان.
كان هوغو يؤمن بقوة الأدب.
ليس لأنه يستطيع تغيير العالم بضربة واحدة.
بل لأنه يستطيع تغيير نظرة الإنسان إلى إنسان آخر.
وهذا ربما يكون أكثر خطورة مما يبدو.
فالظلم يحتاج أحيانًا إلى شيء واحد حتى يستمر:
أن نتوقف عن رؤية الضحية كإنسان.
حين يصبح الفقير مجرد “فقير”، والسجين مجرد “سجين”، والمهاجر مجرد “مهاجر”، والطفل المهمش مجرد “حالة اجتماعية”، يصبح من السهل أن نمر بجانبه.
أما الأدب فيعيد إليه وجهه.
واسمه.
وحكايته.
وصوته.
ربما لم يكن هوغو يحاول أن يجعل الأدب يتحدث باسم الفقراء.
كان يحاول أن يجعلنا نسمعهم بأنفسنا.
ولهذا بقي جان فالجان حيًا.
ليس لأنه شخصية روائية عظيمة فحسب.
بل لأن هوغو جعلنا نتساءل:
كم من إنسان نحكم عليه اليوم دون أن نعرف الطريق الذي أوصله إلى هنا؟
4. ويليام شكسبير: الرجل الذي اختفى خلف شخصياته
 لماذا نعرف شخصيات شكسبير أكثر مما نعرف شكسبير نفسه؟
في المسرح، كانت الأضواء تذهب إلى الآخرين.
ملك يصعد.
عاشق ينهار.
قاتل يخطط.
أب يفقد أبناءه.
رجل يشك في حبيبته.
امرأة تخفي سرًا.
وكان هناك رجل يقف خلف كل ذلك.
ويليام شكسبير.
المفارقة أن واحدًا من أكثر البشر حضورًا في تاريخ الأدب ترك وراءه سيرة شخصية أقل وضوحًا بكثير من الشخصيات التي خلقها.
نعرف أنه وُلد في ستراتفورد أبون آفون عام 1564.
نعرف أنه عمل في عالم المسرح في لندن، وكان ممثلًا وكاتبًا وشريكًا في فرقة مسرحية.
ونعرف أعمالًا أصبحت جزءًا من الذاكرة الإنسانية:
هاملت.
ماكبث.
الملك لير.
أوثيلو.
روميو وجولييت.
لكن حين نحاول أن نسأل:
من كان شكسبير خلف المسرح؟
تصبح الإجابة أقل وضوحًا.
وهنا تبدأ إحدى أجمل مفارقات قصته.
الرجل الذي كتب آلاف التفاصيل النفسية عن البشر لم يترك لنا تفاصيل كافية عن نفسه.
كأنه فعل العكس تمامًا.
اختفى.
وترك شخصياته تتكلم.
وهذه الشخصيات لم تكن أبطالًا مثاليين.
كانوا بشرًا.
هاملت يتردد.
ماكبث يطمع.
أوثيلو يشك.
لير يخطئ في قراءة الحب.
روميو وجولييت يكتشفان أن الحب وحده لا يكفي دائمًا لهزيمة العالم.
حتى الأشرار عند شكسبير لا يأتون دائمًا من عالم آخر.
لديهم دوافع.
رغبات.
جروح.
وحسابات.
وهذا هو سر بقائه.
شكسبير لم يقل إن الإنسان أبيض أو أسود.
قال شيئًا أكثر إزعاجًا:
الإنسان قد يكون الاثنين في الوقت نفسه.
وهذا هو المكان الذي يلتقي فيه شكسبير مع بقية السلسلة.
فرويد دخل إلى أعماق النفس.
دوستويفسكي دخل إلى صراعها الأخلاقي.
هوغو نظر إلى الإنسان تحت ضغط المجتمع.
أما شكسبير، فوضع الإنسان على المسرح وتركه يكشف نفسه بنفسه.
لم يحتج إلى محاضرة.
جعله يتكلم.
ثم جعلنا نكتشف أننا نسمع أنفسنا.
ولذلك تبدو الشقوق الذهبية في وجهه أكثر من مجرد تقنية فنية.
فالرخام المتكامل يشبه تمثالًا.
أما الرخام المتشقق فيشبه إنسانًا.
والإنسان، عند شكسبير، لا يُفهم من وجه واحد.
نحتاج إلى كل شقوقه.
كل تناقضاته.
كل مخاوفه.
كل أقنعته.
ربما كان أعظم ما فعله شكسبير أنه لم يحاول أن يشرح لنا الإنسان.
لقد فعل شيئًا أكثر ذكاءً.
جعله يتحدث.
ثم تركنا، بعد أربعة قرون، نجلس في مقاعد المسرح ونكتشف أن الشخصية التي كانت تقف تحت الضوء لم تكن هاملت وحده، ولا ماكبث، ولا لير.
كانت نحن.

 أربع مرايا خلف السطور
والتسلسل يصبح مهمًا جدًا:
فرويد
↓
ماذا يحدث داخل الإنسان؟
دوستويفسكي
↓
ماذا يحدث عندما تتصارع هذه الأجزاء؟
فيكتور هوغو
↓
ماذا يحدث عندما يصطدم هذا الإنسان بالمجتمع؟
شكسبير
↓
ماذا يبقى عندما يقف الإنسان أمام نفسه؟
نحن لا نبحث عن الإنسان الكامل؛ نبحث عن الإنسان الذي تكشف شقوقه شيئًا لم نره من قبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top