سلام مسلح- حين صنعت الدول الحرب و هي تحاول تجنبها

سلام مسلّح — حين صنعت الدول الحرب وهي تحاول تجنّبها

الحارس الذي أيقظ جاره
في ليلة هادئة، قرر رجل أن يضع قفلًا إضافيًا على بابه.
لم يكن يخطط لمهاجمة أحد، ولم يكن يخفي سلاحًا أو يعدّ لجريمة. كل ما أراده أن ينام مطمئنًا.
لكن جاره رأى القفل الجديد.
تساءل: لماذا يحتاج إلى كل هذه الحماية؟ ممّن يخاف؟ وهل يعرف شيئًا لا أعرفه؟
وفي الليلة التالية، وضع الجار قفلين على بابه.
رآهما الرجل الأول، فازداد شكه. اشترى كاميرا مراقبة، ثم أقام سورًا أعلى. فردّ الجار بإضاءة الساحة ووضع كلب للحراسة.
بعد أسابيع، كان الاثنان أكثر استعدادًا للدفاع عن نفسيهما من أي وقت مضى.
لكنهما لم يكونا أكثر أمانًا.
كان كل واحد منهما ينام أقل، يراقب أكثر، ويفسر كل حركة تصدر عن الآخر بوصفها مقدمة لشيء أسوأ. لم يكن بينهما مهاجم واضح، ومع ذلك امتلأت المسافة الفاصلة بين البيتين بأسباب الخوف.
لم يبدأ العداء لأن أحدهما أراد اقتحام بيت الآخر.
بدأ لأن كليهما أراد ألّا يُقتحم بيته أولًا.
ما حدث بين الجارين ليس مجرد حكاية عن سوء الفهم. إنه صورة مصغرة لواحدة من أكثر مفارقات السياسة الدولية قسوة:
أن الدولة قد تزيد قوتها كي تصبح أكثر أمانًا، فتجعل الآخرين أقل أمانًا، فيردّون عليها بما يجعلها هي نفسها أكثر خوفًا.
يسمي علماء العلاقات الدولية هذه الدائرة معضلة الأمن.
لكن الاسم الهادئ يخفي داخله مأساة كاملة.
الخوف الذي لا يستطيع إثبات براءته
صاغ الباحث الألماني الأميركي جون هيرز تعبير «معضلة الأمن» عام 1950، في عالم خرج لتوّه من حرب عالمية ودخل عصر القنبلة الذرية.
كانت فكرته بسيطة ومزعجة: في عالم لا توجد فوق دوله سلطة واحدة قادرة على حمايتها جميعًا، تضطر كل دولة إلى الاعتناء بأمنها بنفسها. تبني جيشًا، تعقد تحالفًا، تحصّن حدودها، وتطوّر سلاحًا جديدًا.
من داخل عاصمتها تبدو هذه الخطوات دفاعية تمامًا.
لكن الدولة المقابلة لا تستطيع رؤية النيات. إنها لا ترى الخوف الذي دفع خصمها إلى التسلح؛ ترى الدبابات والطائرات والقواعد فقط.
والنيات تتغير أسرع من الأسلحة.
قد يقول الحاكم اليوم إن جيشه للدفاع، ثم يأتي غدًا حاكم آخر يستخدم الجيش نفسه للهجوم. لهذا لا تطمئن الدول إلى الكلمات، بل تقيس ما يستطيع الطرف الآخر فعله في أسوأ الاحتمالات.
هنا تبدأ الدائرة:
تسلّحٌ من أجل الأمان، يراه الآخر تهديدًا، فيتسلح بدوره. يصبح الردّ دليلًا على أن الخوف الأول كان في مكانه، فتأتي جولة جديدة من السلاح، ثم جولة أخرى.
لا يحتاج أي طرف إلى الكذب كي تقع المأساة.
قد يكون الطرفان صادقين حين يقولان إنهما لا يريدان الحرب. لكن صدقهما لا يكفي، لأن كل واحد منهما يسمع كلام الآخر بعين الخائف، والخائف لا يسأل فقط: ماذا تريد الآن؟
بل يسأل: ماذا ستستطيع أن تفعل بي لاحقًا؟
في «فخ ثيوسيديدس» كان صعود أثينا يثير خوف إسبرطة. أما هنا فنرى ما يفعله ذلك الخوف بعد أن يدخل غرف القرار: يتحول إلى ميزانيات عسكرية، وخطط تعبئة، وتحالفات، وجداول زمنية لا تترك لأحد فرصة طويلة للتراجع.
الأول يشرح ولادة الخوف.
ومعضلة الأمن تشرح كيف يتعلم الخوف استخدام السلاح.
أوروبا التي استعدت طويلًا
حين اغتيل ولي عهد النمسا والمجر فرانز فرديناند في سراييفو يوم 28 يونيو/حزيران 1914، لم يسقط الرجل وحده.
سقطت معه آخر مسافة آمنة بين أزمة محلية وقارة مسلحة.
لم تكن أوروبا قد استيقظت في ذلك الصباح وقررت أن تبدأ حربًا عالمية. كانت قد أمضت سنوات وهي تستعد للحرب التي قالت إنها تريد منعها.
في البحر، أثار بناء ألمانيا أسطولًا حديثًا خوف بريطانيا على تفوقها البحري، فدخل الطرفان سباقًا في بناء البوارج. وعلى اليابسة، كبرت الجيوش، واتسعت خطط التجنيد، وتسارعت تقنيات المدفعية والرشاشات والاتصال والنقل.
كل دولة امتلكت تفسيرًا دفاعيًا لاستعدادها.
ألمانيا خافت نمو القوة الروسية وإمكان أن تجد نفسها محاصرة بين روسيا شرقًا وفرنسا غربًا. روسيا رأت في قوة ألمانيا والنمسا والمجر خطرًا على موقعها وحلفائها في البلقان. فرنسا لم تنس هزيمتها أمام بروسيا وفقدان الألزاس واللورين. وبريطانيا رأت الأسطول الألماني الجديد قريبًا من مياهها، ولم تستطع اعتباره زينة إمبراطورية بريئة.
ثم جاءت التحالفات لتمنح الجميع شعورًا بالحماية.
لكن التحالف الذي يطمئن أعضاءه يقلق الواقفين خارجه. وكل ضمان أمني لطرف يبدو للطرف المقابل خطوة جديدة في تطويق عنقه.
وهكذا انقسمت القارة إلى معسكرات لا تريد أن تترك حليفًا يسقط، لأن سقوطه قد يغيّر ميزان القوة كله.
كان السلاح جزءًا من المشكلة، لكن الخطر الأكبر كان الزمن.
بنت الدول خططها العسكرية على سرعة التعبئة وضرب الخصم قبل أن يستكمل استعداده. وحين بدأت دولة تحريك جنودها، لم يستطع خصمها انتظار تفسير نياتها؛ لأن الانتظار نفسه قد يعني أن يصل متأخرًا إلى الحرب.
تحول الاستعداد من وسيلة للحماية إلى ساعة تعدّ تنازليًا.
بعد اغتيال سراييفو، أصدرت النمسا والمجر إنذارها لصربيا. تحركت روسيا. رأت ألمانيا في التعبئة الروسية تهديدًا لا يمكن تجاهله، وفعلت خطتها ما صُممت لتفعله: التحرك سريعًا نحو حرب على جبهتين. وخلال أسابيع، دخلت القوى الكبرى في صراع لم يكن أي اجتماع واحد قد قرره بصورته النهائية.
لم يكن سباق التسلح السبب الوحيد للحرب العالمية الأولى؛ كانت هناك الإمبراطوريات والقومية وصراعات البلقان والقرارات المتعمدة أيضًا. لكنه صنع البيئة التي جعلت كل أزمة أكثر خطورة، وكل تأخير أكثر رعبًا، وكل تنازل أشبه بخسارة قد لا يمكن إصلاحها.
لقد بنى الجميع السلاح كي لا يجرؤ أحد على الحرب.
ثم اكتشفوا أن كثرة الاستعداد جعلت الخوف من التأخر أقوى من الخوف من القتال.
حين أصبح الدمار حارسًا للسلام
بعد حربين عالميتين، لم تتعلم الدول كيف تتوقف عن الخوف.
تعلمت كيف تصنع خوفًا أكبر.
دخلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي الحرب الباردة وهما يعرفان أن مواجهة مباشرة بينهما قد تتجاوز احتلال مدينة أو إسقاط حكومة. مع تراكم الأسلحة النووية ووسائل إيصالها، صار في إمكان كل طرف أن يلحق بالآخر دمارًا لا يمكن احتماله.
بدا الحل مرعبًا في بساطته: إذا عرف خصمك أن هجومه سيؤدي إلى فنائه أيضًا، فلن يهاجمك.
صار السلام قائمًا لا على الثقة، بل على اليقين بأن الخيانة ستعاقَب بنهاية مشتركة.
لكن الردع احتاج إلى مزيد من الصواريخ والقاذفات والغواصات والإنذارات المبكرة، لأن كل طرف أراد أن يضمن قدرته على الرد حتى بعد تلقي الضربة الأولى. وكل محاولة لضمان الرد بدت للطرف الآخر قدرةً إضافية على شن الهجوم.
كانت المفارقة واضحة:
كلما ازدادت القدرة على تدمير العالم، قيل إن العالم أصبح أكثر أمانًا.
وقد منع الخوف بالفعل مواجهة شاملة بين القوتين في أوقات كثيرة، لكنه لم يخلق سلامًا مطمئنًا. صنع سلامًا يقف فوق زر، ويعتمد على أجهزة قد تخطئ، ورسائل قد تُساء قراءتها، وقادة قد لا يملكون إلا دقائق كي يقرروا إن كان ما يرونه هجومًا حقيقيًا أم إنذارًا كاذبًا.
هذا الجانب سيأخذ صورته الكاملة في مقال «الدمار المتبادل المؤكد». لكن معضلة الأمن تكشف جذره: كل ضمان جديد للأمان يحتاج إلى قوة جديدة، والقوة الجديدة تمنح الخصم سببًا جديدًا للخوف.
ثلاثة عشر يومًا خاف فيها الجميع
في أكتوبر/تشرين الأول 1962، التقطت طائرة استطلاع أميركية من طراز U-2 صورًا لمواقع صواريخ نووية سوفييتية تُبنى في كوبا.
من واشنطن، بدا الأمر كأن الاتحاد السوفييتي وضع سلاحًا نوويًا على عتبة البيت الأميركي.
لكن من موسكو وهافانا كانت للصورة خلفية أخرى. جاءت الصواريخ بعد محاولة غزو خليج الخنازير، وفي ظل خطط أميركية سرية ضد نظام فيدل كاسترو. أراد نيكيتا خروتشوف ردع غزو جديد لكوبا، وفي الوقت نفسه تعديل ميزان نووي كانت فيه صواريخ أميركية قريبة من الأراضي السوفييتية، ومنها صواريخ «جوبيتر» في تركيا.
كل طرف امتلك قصة يقول فيها إنه يردّ على تهديد سابق.
لكن الصواريخ لا تحمل قصص أصحابها على هياكلها.
كينيدي لم يرَ خوف خروتشوف؛ رأى منصات قادرة على إصابة مدن أميركية. وخروتشوف لم يرَ في الطوق البحري الأميركي مجرد إجراء حذر؛ رآه ضغطًا عسكريًا يمكن أن يتحول إلى هجوم.
على مدى ثلاثة عشر يومًا، تحركت السفن، ارتفعت درجات الاستعداد، نوقشت الضربات الجوية، واقتربت مواقع الصواريخ من الجاهزية. أُسقطت طائرة استطلاع أميركية فوق كوبا، وتزاحمت الرسائل العلنية والسرية بين البيت الأبيض والكرملين.
لم يكن الخطر أن أحد الزعيمين استيقظ راغبًا في إنهاء العالم.
كان الخطر أن كل واحد منهما اضطر إلى اتخاذ قراراته وهو لا يعرف تمامًا ما ينويه الآخر، ولا يملك ضمانًا بأن جميع الجنود والطائرات والغواصات سيتصرفون وفق الحسابات الموجودة في رأسه.
خرج الطرفان من الأزمة بتسوية: أزال السوفييت صواريخهم من كوبا، وتعهدت الولايات المتحدة علنًا بعدم غزو الجزيرة، ووافقت سرًا على إزالة صواريخ «جوبيتر» من تركيا لاحقًا.
لم ينتصر طرف كما تنتصر الجيوش في المعارك.
انتصر التراجع المتبادل قبل أن يصبح مستحيلًا.
وبعد الأزمة أُنشئت وسيلة اتصال مباشرة بين واشنطن وموسكو، وبدأت خطوات نحو معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية. لم تختفِ الخصومة، ولم ينتهِ سباق السلاح، لكن الطرفين اعترفا بشيء لم يكن من السهل على القوى الكبرى الاعتراف به:
أن سوء الفهم قد يكون أخطر من سوء النية.
لماذا لا يتوقف أحد أولًا؟
إذا كان الجميع يفهم خطورة الدائرة، فلماذا لا يخرجون منها؟
لأن أول خطوة نحو التهدئة قد تبدو، في لحظتها، مثل أول خطوة نحو الضعف.
الدولة التي تخفّض سلاحها تخشى أن يحتفظ خصمها بسلاحه. والتي تكشف خططها تخشى أن تتحول الشفافية إلى معلومة يستخدمها الآخر ضدها. والتي تتراجع عن تحالف أو قاعدة عسكرية قد تُتهم في الداخل بالخضوع، وقد يقلق حلفاؤها من أنها تستعد لتركهم وحدهم.
وفوق ذلك، ليست الأسلحة دفاعية أو هجومية دائمًا بطبيعتها الواضحة. الطائرة التي تحمي المجال الجوي تستطيع قصف أرض الخصم. والصاروخ الذي يقال إنه للردع قد يمنح قدرة على الضربة الأولى. والمناورة التي يراها جيش تدريبًا قد يراها جيش آخر ستارًا يخفي التعبئة.
لهذا لا تعيش معضلة الأمن في مخازن السلاح وحدها.
إنها تعيش في التفسير.
تعيش في السؤال الذي لا يستطيع أحد حسمه: هل ما أراه استعداد للدفاع، أم أن خصمي يريدني أن أصدّق ذلك حتى يفوت وقت الاستعداد؟
وحين تكون كلفة الخطأ هزيمةً أو احتلالًا أو فناءً نوويًا، يصبح أسوأ الاحتمالات أكثر إقناعًا من أفضل النيات.
كيف يُكسر السلم الذي يقود إلى الحرب؟
لا تُحل معضلة الأمن بأن تطلب دولة من أخرى أن تثق بها ببساطة.
الثقة السياسية ليست فضيلة شخصية؛ إنها بنية تحتاج إلى أدلة وقنوات ووقت.
يمكن تخفيف الدائرة حين تصبح التحركات العسكرية أقل غموضًا: إخطار مسبق بالمناورات، خطوط اتصال تعمل وقت الأزمة، مراقبة متبادلة، اتفاقات تحدّ من أنواع معينة من السلاح، ومسافات تفصل القوات التي قد يؤدي احتكاكها العرضي إلى تصعيد سريع.
ويمكن كسرها عندما تُصمم القوة للدفاع بصورة يصعب استخدامها للهجوم، وحين يعرف الطرفان أن التراجع المتبادل لن يتحول إلى فرصة ينقضّ فيها أحدهما على الآخر.
ليست هذه ضمانات كاملة. المعاهدات قد تُنقض، والمعلومات قد تكون ناقصة، وبعض الحروب يبدأها معتدون يعرفون تمامًا ماذا يفعلون. معضلة الأمن لا تفسر كل حرب، ولا تبرئ كل دولة، ولا تجعل المهاجم والضحية متساويين.
لكنها تفسر تلك الحالات الأكثر مأساوية، حين لا تكون الرغبة في الحرب هي التي تقود الجميع إليها، بل خوف كل طرف من أن يكون آخر من يستعد لها.
كسر الدائرة يحتاج أيضًا إلى شجاعة لا تظهر في عروض الجيوش: شجاعة أن ينظر القائد إلى خريطة خصمه، وأن يسأل كيف تبدو أفعاله هو من الجهة الأخرى.
فقد تكون القاعدة التي يسميها حمايةً هي نفسها التي يراها الآخر طوقًا.
وقد يكون السلاح الذي يقدمه لشعبه بوصفه ضمانة سلام هو السبب الذي يجعل شعبًا آخر ينام قرب الملاجئ.
السلام الذي ارتدى درعًا
لا تبدأ الحروب دائمًا حين يقرر أحدهم الهجوم.
أحيانًا تبدأ قبل ذلك بوقت طويل، حين يقرر الجميع ألّا يتأخروا في الدفاع.
تشتري دولة سلاحًا كي تمنع الحرب، فيشتري خصمها سلاحًا كي يعيد التوازن. تعقد تحالفًا كي لا تبقى وحدها، فيرى الآخر دائرة تضيق حوله. ترفع جاهزيتها كي لا تُفاجأ، فيظن خصمها أن الهجوم اقترب، فيرفع جاهزيته هو أيضًا.
لا توجد لحظة واحدة يستطيع المؤرخ أن يشير إليها ويقول: هنا أراد الجميع الكارثة.
توجد خطوات صغيرة، معقولة إذا نُظر إلى كل واحدة منفردة، لكنها حين تجتمع ترسم طريقًا لا يريد أحد الاعتراف بأنه ساهم في بنائه.
وهذه هي مفارقة السلام المسلّح:
أن كل طرف يضيف حجرًا إلى حصنه، ثم يكتشف أن الحصنين معًا تحولا إلى جدار يفصل العالم عن الطمأنينة.
ربما لا يكون السؤال الأصعب: لماذا تختار الدول الحرب؟
بل: كيف تستطيع أن تثبت أنها لا تريدها، بينما تستعد لها بكل ما تملك؟
في آخر الليل، يقف الحارسان خلف قفلين وسورين وكاميرتين، وكل واحد منهما مقتنع بأنه لم يبدأ شيئًا.
وقد يكون كلاهما صادقًا.
لكن الطريق بين البيتين صار جاهزًا للحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top