الضربة الاستباقية
هل يجوز أن تبدأ الحرب كي لا تبدأ ضدك؟
في صباح الخامس من يونيو/حزيران 1967، انطلقت الطائرات الإسرائيلية باتجاه المطارات المصرية.
لم تكن الحرب قد بدأت، بالمعنى البسيط للكلمة، بإطلاق مصر النار على إسرائيل.
لكن المنطقة كانت قد أمضت أسابيع في تصعيد متسارع: قوات تتحرك، قوات الطوارئ الدولية تنسحب من سيناء، مضيق تيران يُغلق أمام الملاحة الإسرائيلية، والجيوش تستعد على جانبي الحدود.
ثم اتخذت إسرائيل القرار الأصعب:
أن تضرب أولًا.
في الساعات الأولى دُمرت نسبة كبيرة من القوة الجوية المصرية وهي على الأرض، وتحولت الضربة إلى افتتاح حرب ستعيد خلال ستة أيام رسم الخريطة السياسية والعسكرية للشرق الأوسط.
ومنذ ذلك الوقت ظل السؤال قائمًا:
هل كانت تلك ضربة استباقية ضد هجوم اعتُبر وشيكًا؟
أم أن الدولة التي تطلق النار أولًا هي التي تبدأ الحرب، مهما بلغت مخاوفها؟
السؤال أكبر من حرب 1967.
إنه واحد من أخطر الأسئلة التي تواجه الدول منذ نشوء الدولة الحديثة:
متى يصبح الخوف من هجوم لم يقع بعد مبررًا لاستخدام القوة؟
الدقيقة التي تسبق الضربة
هناك فرق هائل بين أن تعرف أن عدوك يستطيع مهاجمتك، وبين أن تعرف أنه على وشك مهاجمتك.
في الحالة الأولى توجد قدرة.
وفي الثانية يوجد خطر وشيك.
وهنا تقع الحدود بين مفهومين كثيرًا ما يُخلطان في الخطاب السياسي:
الضربة الاستباقية Preemptive Strike
تأتي عندما تعتقد دولة أن هجومًا معاديًا أصبح وشيكًا إلى درجة أن الانتظار قد يحرمها من القدرة على الدفاع عن نفسها.
الفكرة هي:
سيضربني بعد قليل، لذلك أضربه قبل أن يضربني.
الحرب الوقائية Preventive War
أما الحرب الوقائية فمختلفة.
لا يكون الهجوم المعادي فيها على وشك الوقوع بالضرورة.
لكن دولة ترى أن خصمًا يزداد قوة، أو قد يطور سلاحًا، أو قد يصبح بعد سنوات أخطر مما هو عليه الآن.
فتقرر ضربه قبل أن يصل إلى تلك المرحلة.
الفكرة هنا:
قد يصبح خطرًا عليّ لاحقًا، لذلك أضربه الآن.
الفارق ليس لغويًا.
إنه الفارق بين تهديد يُقال إنه وشيك وتهديد محتمل في المستقبل.
وتلك المسافة هي التي تحدد إلى حد كبير طبيعة الجدل القانوني والأخلاقي المحيط باستخدام القوة.
سفينة صغيرة صنعت قاعدة كبيرة
قبل الطائرات النفاثة والصواريخ بعقود طويلة، بدأت إحدى أهم قصص الدفاع الاستباقي بسفينة بخارية صغيرة اسمها Caroline.
كان ذلك في عام 1837.
اندلع تمرد ضد الحكم البريطاني في كندا، وكان متعاطفون في الولايات المتحدة ينقلون الرجال والإمدادات إلى المتمردين عبر نهر نياجرا.
استخدموا سفينة Caroline لهذه المهمة.
في ليلة شتوية، عبرت قوة مرتبطة بالسلطات البريطانية الحدود إلى الأراضي الأمريكية، هاجمت السفينة، وأشعلت فيها النار.
نشأ خلاف دبلوماسي طويل بين الولايات المتحدة وبريطانيا.
لكن الخلاف أنتج شيئًا سيعيش أطول من السفينة نفسها.
قال وزير الخارجية الأمريكي دانيال ويبستر، في المراسلات التي أصبحت لاحقًا من أشهر مراجع القانون الدولي، إن ضرورة الدفاع عن النفس قبل وقوع الهجوم يجب أن تكون شديدة وفورية بحيث لا تترك خيارًا معقولًا آخر ولا وقتًا كافيًا للتروي.
ومن هذه الواقعة نشأت الصيغة المعروفة باسم اختبار Caroline.
جوهرها يدور حول شرطين:
الضرورة.
والتناسب.
ليست الدولة حرة في مهاجمة خصم لمجرد أنها تخشاه.
عليها أن تواجه خطرًا من طبيعة تجعل استخدام القوة ضروريًا، وأن يكون الرد متناسبًا مع ذلك الخطر.
ثم جاء ميثاق الأمم المتحدة
بعد حربين عالميتين، حاول المجتمع الدولي وضع قيود أكثر صرامة على استخدام القوة.
أصبح ميثاق الأمم المتحدة أحد أعمدة النظام الجديد.
وتنص المادة 51 على الحق في الدفاع الفردي أو الجماعي عن النفس إذا وقع هجوم مسلح، إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة.
لكن الكلمات لم تغلق باب الجدل.
ماذا لو لم يقع الهجوم بعد، لكن الصواريخ أُعدت للإطلاق؟
ماذا لو أقلعت الطائرات بالفعل؟
ماذا لو كانت القوات تعبر نحو الحدود؟
هل يجب على الدولة أن تنتظر الضربة الأولى كي يصبح دفاعها مشروعًا؟
لهذا استمر الخلاف بين القانونيين والدول حول الدفاع الاستباقي أو anticipatory self-defence.
هناك من يرى أن القانون الدولي العرفي يسمح به ضمن شروط شديدة الضيق عندما يكون الخطر وشيكًا والضرورة واضحة.
وهناك قراءات أكثر تقييدًا ترى أن نص ميثاق الأمم المتحدة يضع حاجزًا مرتفعًا للغاية أمام استخدام القوة قبل وقوع الهجوم.
لا توجد جملة سحرية تحسم كل الحالات.
لأن المشكلة دائمًا تعود إلى سؤال بالغ الصعوبة:
كيف تثبت أن شيئًا لم يحدث بعد كان سيحدث فعلًا؟
يونيو 1967: المثال الذي لا ينتهي الجدل حوله
قبل حرب يونيو/حزيران 1967، شهد الشرق الأوسط سلسلة من التطورات السريعة.
حشدت مصر قوات في سيناء.
وطلبت من الأمم المتحدة سحب قوة الطوارئ الموجودة هناك.
وأعلنت إغلاق مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية.
وازدادت التعبئة العسكرية والخطابات والاتفاقات والتحركات بين دول المنطقة.
في إسرائيل، أصبح السؤال:
هل ننتظر؟
أم أن الانتظار قد يعني تلقي الضربة الأولى؟
في الخامس من يونيو بدأت إسرائيل هجومًا جويًا واسعًا على مصر.
وتصف مصادر ودراسات عديدة الهجوم الإسرائيلي بأنه ضربة استباقية.
لكن توصيف الحرب قانونيًا وسياسيًا ظل موضع خلاف، لأن السؤال لا يتوقف عند وجود التوتر العسكري؛ بل يتعلق بما إذا كان الهجوم العربي وشيكًا بالفعل بالمعنى الضروري لتبرير استخدام القوة قبل وقوعه.
وهنا ينبغي ألا يتحول المقال التاريخي إلى قاضٍ.
ما نستطيع إثباته هو وجود أزمة عسكرية شديدة، واستعدادات وتحركات متبادلة، وأن إسرائيل اختارت توجيه الضربة الأولى.
أما القول بأن الهجوم المقابل كان سيقع بالتأكيد وفي توقيت محدد، فهو ادعاء يحتاج إلى درجة من اليقين لا توفرها الوقائع التاريخية بسهولة.
وهذه بالضبط هي المعضلة التي تجعل مفهوم الضربة الاستباقية شديد الخطورة.
المشكلة ليست في الضربة الأولى فقط
افترض أن دولتين تواجهان بعضهما.
تمتلك الدولة «أ» معلومات استخباراتية تشير إلى أن الدولة «ب» ستهاجم خلال ساعات.
إذا كانت المعلومات صحيحة، فإن الانتظار قد يكون كارثيًا.
لكن ماذا إذا كانت المعلومات خاطئة؟
عندها تتحول ضربة قُدمت بوصفها دفاعًا إلى حرب بدأت بسبب تقدير استخباراتي غير صحيح.
وهكذا تظهر ثلاثة مستويات من عدم اليقين:
ماذا يستطيع الخصم أن يفعل؟
ماذا ينوي أن يفعل؟
ومتى سيفعله؟
المخابرات قد ترى الدبابات.
لكنها لا تستطيع دائمًا رؤية القرار داخل عقل القائد.
عندما يتحول الاستباق إلى وقاية
في السابع من يونيو/حزيران 1981 قصفت طائرات إسرائيلية مفاعل أوزيراك العراقي قرب بغداد.
كانت الحجة الإسرائيلية أن المفاعل يمكن أن يساعد العراق في الوصول مستقبلًا إلى قدرة نووية عسكرية، وهو توصيف رفضه العراق، وكانت منشآته النووية خاضعة آنذاك لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
لكن لم يكن هناك هجوم عراقي نووي وشيك على إسرائيل ينتظر ساعة الصفر.
لذلك يمثل أوزيراك مثالًا مهمًا لفهم الفرق بين الاستباق والوقاية.
كان الخطر الذي استُخدم لتبرير العملية متعلقًا بقدرة مستقبلية محتملة.
مجلس الأمن أصدر بعد العملية القرار 487، الذي أدان الهجوم الإسرائيلي بالإجماع واعتبره انتهاكًا لميثاق الأمم المتحدة وقواعد السلوك الدولي.
وهنا تظهر الحدود بوضوح أكبر:
كلما ابتعد الخطر عن اللحظة الراهنة، أصبح وصف الهجوم بأنه «استباقي» أكثر صعوبة.
ثم جاءت العراق عام 2003
بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، تغيرت البيئة الاستراتيجية الأمريكية.
في استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2002، قدمت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش تصورًا أوسع لاستخدام القوة ضد أخطار قد ترتبط بالإرهاب وأسلحة الدمار الشامل.
واستخدمت كلمة preemption بصورة واسعة.
لكن هنا ظهر اعتراض مهم.
وفق المعنى التقليدي، الاستباق يتعلق بخطر محدد ووشيك.
أما ضرب دولة بسبب خطر يُعتقد أنه قد يظهر مستقبلًا، فيقترب أكثر من مفهوم الحرب الوقائية.
ولهذا رأى عدد من الدراسات القانونية والاستراتيجية أن حرب العراق عام 2003 لا تنطبق عليها بسهولة الصورة التقليدية للضربة الاستباقية ضد هجوم وشيك.
وازداد هذا الجدل لاحقًا بعدما لم تُعثر في العراق على مخزونات أسلحة الدمار الشامل التي كانت جزءًا مركزيًا من قضية الحرب.
وهنا يصبح الخطأ في التقدير أكثر من مجرد خطأ استخباراتي.
قد يصبح حربًا.
لماذا ترغب الدولة في الضربة الأولى؟
لأن الضربة الأولى قد تمنح مزايا هائلة.
يمكنها تدمير الطائرات وهي على الأرض.
إصابة الصواريخ قبل إطلاقها.
قطع الاتصالات.
إرباك القيادة.
وشل الدفاعات.
في بعض أنواع الحرب الحديثة، قد تعني دقائق قليلة الفرق بين القدرة على الدفاع وبين خسارة جزء كبير من القوة العسكرية.
ولهذا توجد مفارقة خطرة:
كلما أصبحت الأسلحة أسرع وأكثر تدميرًا، ازداد خوف الدول من الانتظار.
وكلما ازداد خوفها من الانتظار، ازدادت احتمالات أن تضرب قبل أن تتأكد من نية خصمها.
عندما يخاف الطرفان من الضربة الأولى
تخيل دولتين نوويتين.
كل واحدة منهما تخشى أن تتمكن الأخرى من تدمير أسلحتها بضربة مفاجئة.
إذا اندلعت أزمة، يمكن أن يبدأ التفكير على النحو التالي:
إذا انتظرتُ ربما يضربني.
لكن خصمي يفكر بالطريقة نفسها.
فيبدأ كل طرف برفع جاهزيته.
والطرف الآخر يرى هذه الجاهزية ويعتبرها دليلًا على قرب الهجوم.
فيرفع جاهزيته أكثر.
ثم تصبح الإجراءات التي اتُخذت لمنع الحرب سببًا في جعلها أقرب.
إنها دائرة خوف.
وفي أدبيات الاستراتيجية تسمى إحدى صورها مفارقة الاستقرار وعدم الاستقرار ومشكلات الأزمة والإنذار المبكر.
وهنا تلتقي الضربة الاستباقية مع بقية ملفات «هندسة الخوف بين الدول».
من الردع إلى الحافة إلى الضربة الأولى
في السلام المسلح، تحاول الدولة منع الحرب بإظهار قوتها.
وفي الدمار المتبادل المؤكد، تعرف الدول النووية أن الحرب الشاملة قد تعني دمار الجميع.
وفي سياسة حافة الهاوية، ترفع الدولة مستوى الخطر كي تدفع خصمها إلى التراجع.
لكن في الضربة الاستباقية يحدث شيء مختلف.
يصل الخوف إلى النقطة التي يقول فيها أحد الطرفين:
لم يعد الانتظار آمنًا.
وهنا يتحول التهديد من أداة تفاوض إلى فعل.
أخطر سؤال: من يحدد أن الخطر وشيك؟
الدولة نفسها.
وهذه هي الثغرة الكبرى.
فإذا أصبح مجرد إعلان دولة أنها شعرت بالخطر كافيًا لتبرير الحرب، يمكن لأي حرب تقريبًا أن تُسمى دفاعًا استباقيًا.
ولهذا لا يكفي أن تقول الحكومة:
كنا خائفين.
يصبح السؤال:
ما الأدلة التي كانت لديها؟
ما مدى اقتراب الهجوم؟
هل كانت هناك بدائل؟
هل كان الرد متناسبًا؟
وهل عُرضت الأدلة بطريقة تسمح للآخرين بتقييمها؟
هذه الأسئلة ليست تفاصيل قانونية.
إنها الحاجز بين مبدأ يسمح لدولة بإنقاذ نفسها من هجوم وشيك، ومبدأ يمكن أن يسمح للدول بمهاجمة خصومها بسبب أخطار مستقبلية متخيلة.
الحرب التي قد تبدأ بسبب سوء فهم
ربما لا تكمن أخطر صورة للضربة الاستباقية في قائد عدواني يريد الحرب.
بل في قائد لا يريدها.
قائد يرى على شاشاته حركة صواريخ.
وطائرات ترتفع.
ووحدات تنتشر.
والوقت أمامه يتناقص.
يسأله مستشاروه:
ماذا لو كانت هذه بداية الهجوم؟
ثم يأتي السؤال الثاني:
ماذا لو انتظرنا خمس عشرة دقيقة؟
قد لا يمتلك أحد الإجابة.
وفي عصر الصواريخ الأسرع من الصوت، والأسلحة النووية، والإنذارات الفضائية، والذكاء الاصطناعي الذي يدخل أنظمة التحليل والإنذار، يمكن أن تصبح نافذة القرار أقصر من أي وقت مضى.
وعندها يصبح التمييز بين «بدأ الهجوم» و«اعتقدنا أنه سيبدأ» واحدًا من أهم الفواصل بين السلام والحرب.
هندسة الخوف
الضربة الاستباقية تقوم على فكرة تبدو بسيطة:
اضرب قبل أن تُضرب.
لكن تحت هذه الجملة تختبئ واحدة من أصعب مسائل السياسة الدولية.
لأن الدولة لا تواجه حدثًا وقع.
إنها تواجه مستقبلًا تتوقعه.
وقد يكون توقعها صحيحًا.
وقد يكون خاطئًا.
إذا انتظرت وكان الخطر حقيقيًا، ربما تدفع ثمن الانتظار.
وإذا ضربت وكان الخطر وهمًا، فقد تبدأ حربًا لم تكن ستقع أصلًا.
وهكذا لا تصبح المشكلة:
من أطلق الرصاصة الأولى؟
بل:
متى يصبح الخوف من الرصاصة الأولى سببًا كافيًا لإطلاقها؟
وهنا، ربما، تصل «هندسة الخوف بين الدول» إلى أكثر مفارقاتها قسوة:
في بعض الأزمات، تبدأ الحرب لأن دولة خافت من الحرب إلى درجة أنها قررت أن تبدأها بنفسها.
مصادر ومراجع أساسية
- ميثاق الأمم المتحدة، المادة 51 — حق الدفاع عن النفس.
- مراسلات قضية Caroline بين الولايات المتحدة وبريطانيا، 1837–1842.
- Congressional Research Service — U.S. Use of Preemptive Military Force.
- وثائق National Security Archive المتعلقة بأزمة وحرب يونيو/حزيران 1967.
- مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة — القرار 487 لسنة 1981 بشأن الهجوم على المنشآت النووية العراقية.
- استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة لعام 2002 والدراسات القانونية المتعلقة بالتمييز بين Preemption وPreventive War.

