فخ ثيوسيديدس: حين تخاف الإمبراطوريات من ظلّها

الرجل الذي كان يصغي إلى الخوف

لم يكن ثيوسيديدس يقف فوق جبل حين اكتشف القانون.
كان داخل الحرب نفسها.
رأى السفن تغادر المرافئ، والرسل يدخلون مجالس المدن بوجوه متجهمة، والخطباء يرفعون أصواتهم كي يخفوا ارتباكهم. ورأى شيئًا لا يظهر عادةً في تماثيل القادة ولا في خرائط المعارك:
رأى الخوف وهو يرتدي درعًا.
في القرن الخامس قبل الميلاد، كانت إسبرطة القوة التي اعتاد اليونانيون النظر إليها بوصفها مركز التوازن والهيبة العسكرية. لم تكن تحتاج إلى إثبات وجودها كل صباح؛ فمكانتها بدت جزءًا من طبيعة العالم.
لكن أثينا كانت تتغير.
كبر أسطولها، واتسع نفوذها، وازدادت ثروتها، وتحول الحلف الذي قادته في مواجهة الفرس إلى دائرة قوة تدور حولها. لم تعد مدينة ناجية من الغزو، بل أصبحت مدينة قادرة على كتابة قواعد جديدة.
وهنا بدأ ما هو أخطر من صعود أثينا:
بدأت إسبرطة تتخيل العالم بعد اكتمال ذلك الصعود.
لم تكن الحرب قد اندلعت بعد، لكن صورها كانت قد وُلدت في العقول. كل سفينة أثينية جديدة بدت تهديدًا. كل حليف ينضم إلى أثينا بدا خسارة لإسبرطة. وكل محاولة للطمأنة أمكن تفسيرها خدعة تسبق الهجوم.
وحين تصبح القوة الصاعدة مخيفة، لا يعود السؤال: ماذا فعلت؟
بل: ماذا قد تفعل غدًا؟

الحرب التي بدأت قبل المعركة

لم تبدأ الحرب البيلوبونيسية بضربة واحدة يمكن وضع الإصبع عليها والقول: هنا جنّ العالم.
سبقتها أزمات وتحالفات متشابكة وشكاوى من مدن أصغر وحسابات متعارضة. كان لكل طرف ملف من الحجج، ولكل قرار تبريره، ولكل خطوة اسم أقل رعبًا من حقيقتها: حماية حليف، ردع خصم، حفظ توازن، أو الدفاع عن الكرامة.
لكن ثيوسيديدس نظر خلف الأسباب المعلنة، فرأى سببًا أعمق: نمو قوة أثينا والخوف الذي أحدثه ذلك في إسبرطة دفعا الأخيرة إلى اعتبار المواجهة ضرورية.
لم يقل إن جيشًا خفيًا أجبر المدينتين على القتال. كان يصف سجنًا تصنعه التصورات.
إسبرطة تخاف أن تنتظر حتى تصبح أثينا أقوى من أن تُوقَف.
وأثينا تخاف أن تتراجع، لأن التراجع قد يكشف ضعفها ويشجع خصومها.
كل واحدة منهما ترى خطواتها دفاعية، وترى الخطوات نفسها لدى الأخرى عدوانية.
وهكذا حدثت المفارقة:
كلما استعد الطرفان لتجنب الهزيمة، اقتربا من الحرب.
اندلع الصراع سنة 431 قبل الميلاد، واستمر، مع فترات من الهدوء والتجدد، قرابة سبعة وعشرين عامًا. وفي النهاية هُزمت أثينا، لكن إسبرطة لم ترث عالمًا آمنًا. كانت المدن قد استُنزفت، والتحالفات تمزقت، واليونان التي أراد كل طرف أن يحمي موقعه فيها خرجت أضعف مما دخلت.
ربح طرف الحرب، وخسر العالم الذي تقاتل الطرفان عليه.

الفخ الذي لم يسمّه صاحبه

بعد أكثر من ألفي عام، أعاد الباحث الأميركي غراهام أليسون قراءة تلك اللحظة، وصاغ تعبير «فخ ثيوسيديدس» لوصف التوتر البنيوي الذي ينشأ عندما تهدد قوة صاعدة مكانة قوة مهيمنة.
الاسم حديث، لكن الخوف قديم.
القوة المهيمنة لا ترى في الصاعدة دولة تكبر فحسب، بل ترى فيها مستقبلًا يتقلص فيه نفوذها. أما القوة الصاعدة فلا ترى في مقاومة المهيمنة دفاعًا عن النظام، بل محاولة لإغلاق الباب قبل وصولها.
تقول الأولى: نحن نحمي الاستقرار.
وتقول الثانية: أنتم تحمون امتيازاتكم.
وبين الجملتين تبدأ الجيوش في الحركة.
في هذا الفخ لا تكون الحرب نتيجة الكراهية وحدها. قد تنشأ بين أطراف تتبادل التجارة، وتملك قنوات اتصال، وتعرف أن المواجهة ستكلفها كثيرًا. لكنها مع ذلك تنزلق إليها، لأن كل طرف يخشى أن يكون ضبط النفس هدية لخصمه.
المشكلة ليست أن أحدهما يريد الانتحار.
المشكلة أن كليهما يظن أنه ينجو.

حين تصبح القوة مرآة مشوهة

لا تقيس الدول قوة خصومها بالأرقام وحدها.
إنها تقيسها بالذاكرة أيضًا.
قوة قديمة تتذكر كل إمبراطورية سقطت لأنها تأخرت في ردع منافسها. وقوة صاعدة تتذكر كل شعب حُرم مكانته لأن الأقوياء حاصروا طريقه. كل طرف يدخل الغرفة حاملًا أرشيفًا من الإهانات والهزائم والتحذيرات.
ثم ينظر إلى الآخر، فلا يراه كما هو، بل كما تخشى ذاكرته أن يكون.
لهذا قد يتحول بناء ميناء إلى مشروع هيمنة، ومناورة عسكرية إلى مقدمة غزو، وتحالف دفاعي إلى طوق حصار. وحتى الصمت يصبح رسالة، والرسالة تصبح تهديدًا، والتهديد يصبح خطة موضوعة على طاولة الجنرالات.
إنها لحظة غريبة: لا يحتاج العدو إلى أن يهاجمك كي تبدأ في محاربته.
يكفي أن تقنع نفسك بأنه سيفعل.
وحين يقتنع الطرفان بذلك، يصبح المستقبل المتخيَّل سببًا لحرب حقيقية.

أميركا والصين — الأسماء الجديدة للخوف القديم

لهذا استُعيد فخ ثيوسيديدس في الحديث عن صعود الصين وموقع الولايات المتحدة.
الصين ترى نفسها دولة استعادت وزنًا تاريخيًا بعد قرن من التدخلات والإذلال، وتعتبر نموها حقًا لا يحتاج إلى إذن. أما الولايات المتحدة فترى نظامًا دوليًا ساهمت في بنائه، وتخشى أن يؤدي تغيّر ميزان القوة إلى تقويض نفوذها وحلفائها والقواعد التي تحمي موقعها.
في التجارة، والتكنولوجيا، والبحار، والتحالفات، وتايوان، لا يوجد خلاف واحد منفصل. توجد شبكة من الشكوك، تجعل كل أزمة تحمل وزن الأزمات السابقة واحتمالات الأزمات اللاحقة.
لكن تحويل المقارنة إلى نبوءة يحمل خطرًا آخر.
إذا اقتنع الجميع بأن صعود قوة جديدة يؤدي حتمًا إلى الحرب، فقد يبدأون في التصرف على أساس أن الحرب قادمة مهما فعلوا. عندها لا يعود «فخ ثيوسيديدس» تحذيرًا من التاريخ، بل قد يصبح وصفة لتكراره.
فالنبوءات السياسية لا تنتظر دائمًا كي تتحقق.
أحيانًا تسلّح نفسها.

هل الحرب حتمية؟

لا.
وهذه أهم كلمة في المقال كله.
التاريخ لا يعمل كآلة تضع فيها قوة صاعدة وقوة مهيمنة، فتخرج منهما حرب. الدول ليست أثينا وإسبرطة بنسخ جديدة، والأسلحة النووية والاقتصاد العالمي والمؤسسات الدولية والاتصال المباشر بين القادة غيّرت ثمن المواجهة وطبيعتها.
كما أن دراسات أليسون نفسها لم تقل إن كل حالات انتقال القوة انتهت بالحرب. بعض المنافسات التاريخية عبرت التحول من دون مواجهة عسكرية شاملة، لأن الأطراف عدّلت مصالحها، وابتكرت تسويات، وفهمت أن حفظ المكانة لا يستلزم تحطيم الطرف الآخر.
الفخ إذن ليس بابًا يُغلق خلف الداخلين إليه.
إنه ميل خطير يمكن مقاومته.
تبدأ المقاومة عندما تدرك القوة المهيمنة أن كل تنازل ليس هزيمة، وتدرك القوة الصاعدة أن كل قيد ليس مؤامرة. وتبدأ حين تُبنى خطوط اتصال لا لالتقاط الصور، بل لمنع سوء الفهم في اللحظات التي لا يملك فيها القادة وقتًا لتصحيح أخطائهم.
لكن الأصعب من كل ذلك هو الاعتراف بالخوف.
فالدول، مثل البشر، تفضّل أن تسمي خوفها حزمًا، وقلقها استراتيجية، واندفاعها دفاعًا استباقيًا. إنها ترسل الجنود بدل أن تقول الجملة التي تخجل منها:
نحن لا نعرف كيف سيكون العالم إذا لم نعد الأقوى.

ما الذي رآه ثيوسيديدس حقًا؟

ربما لم يكن اكتشاف ثيوسيديدس أن القوى الصاعدة تحارب القوى القديمة.
ربما كان اكتشافه أكثر إزعاجًا:
أن البشر لا يحاربون الواقع وحده، بل يحاربون الصورة التي صنعوها عنه.
إسبرطة لم تخشَ أثينا القائمة فقط، بل أثينا التي قد توجد بعد عشر سنوات. وأثينا لم تقاوم مطالب إسبرطة وحدها، بل المستقبل الذي قد تصبح فيه خاضعة لها. كلاهما قاتل شبحًا قادمًا، حتى امتلأت الأرض بجثث حقيقية.
لهذا لا يسكن فخ ثيوسيديدس في حاملات الطائرات ولا في خرائط النفوذ وحدها.
إنه يسكن في المسافة بين ما يفعله الخصم وما نظن أنه ينوي فعله.
وفي تلك المسافة، تنمو أسوأ الاحتمالات بسهولة. ثم تُبنى السياسات لمواجهتها، فيراها الطرف الآخر دليلًا على أن مخاوفه كانت صحيحة منذ البداية.
تدور الدائرة.
ويستعد الجميع للحرب التي يقول الجميع إنهم لا يريدونها.

قبل أن يُغلق الفخ

عندما انتهت الحرب البيلوبونيسية، لم تعد أثينا المدينة التي دخلتها، ولم تحصل إسبرطة على الأمان الذي وعدت نفسها به. سقطت قوة، لكن الخوف لم يسقط معها؛ انتقل إلى مدن أخرى وأشكال أخرى وصراعات أخرى.
وبقي ثيوسيديدس يراقبنا من نص قديم، لا ليقول إن الحرب قدر، بل ليكشف اللحظة التي يبدأ فيها البشر بصناعة قدرهم بأيديهم.
ربما لا تكون المأساة أن التاريخ يعيد نفسه.
بل أننا، كلما تغيّرت أسماء الإمبراطوريات، نمنح الخوف الاسم نفسه:
الضرورة.

مصادر ومراجع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top