القبلة: حين يلتقي الذهب بالشغف

لا نعرف أين ينتهي ثوب الرجل وأين يبدأ ثوب المرأة. الذهب يبتلع الحدود بينهما، والزهور ترتفع من الأرض إلى الرداء، والجسدان يتحولان إلى شكل واحد يكاد يكون أيقونة. وحدهما الوجهان واليدان وقدما المرأة تذكّرنا بأن تحت الزخرفة جسدين من لحم، وأن الحب مهما بدا خالدًا يحدث في لحظة قابلة للانتهاء.
رسم غوستاف كليمت «القبلة» في ذروة مرحلته الذهبية، بين 1907 و1909 تقريبًا، وعرضها للمرة الأولى في معرض «كونستشاو» بفيينا سنة 1908. اقتنتها الدولة النمساوية في ذلك المعرض قبل اكتمالها بصورتها النهائية، وأصبحت لاحقًا أشهر أعمال مجموعة بلفيدير وأيقونة من أيقونات الحداثة الفيينية.
لكن شهرتها الواسعة أخفت شيئًا من غرابتها. نحن نراها اليوم على الملصقات والأكواب والهدايا الرومانسية، كأنها إعلان مطمئن عن الحب. أما اللوحة نفسها فأقل اطمئنانًا بكثير.
الذهب الذي لا يعني الثراء فقط
زار كليمت رافينا سنة 1903، وتأثر بفسيفسائها البيزنطية حيث لا يعمل الذهب خلفية مزخرفة فحسب، بل فضاءً يخرج الشخصيات من الزمن اليومي. في «القبلة» يستخدم الذهب بالطريقة نفسها تقريبًا: لا نعرف الساعة، ولا المدينة، ولا طبقة العاشقين الاجتماعية. سُحب الجسدان من العالم ووُضعا داخل لحظة لا تقاس بالدقائق.
ومع ذلك لم يذب الاختلاف كله. تهيمن على رداء الرجل مستطيلات وأشكال زاوية داكنة، بينما تغطي ثوب المرأة دوائر وزهور ومساحات أكثر ليونة. يمكن قراءة هذا التباين بوصفه لغة زخرفية للذكورة والأنوثة في زمن كليمت، لكن لا ينبغي تحويله إلى قانون ثابت أو رسالة وحيدة. الزخرفة عنده تجمع وتفصل في آن واحد.
حتى هوية الشخصين غير محسومة. ربطت قراءات كثيرة بين المرأة وإيميلي فلوغه، شريكة كليمت المقربة، ورأت في الرجل صورة للفنان، لكن اللوحة لا تقدم توثيقًا قاطعًا لهذين الاسمين. ما نملكه يقينًا هو فعل القرب، لا السيرة الكاملة لمن يقومان به.
قبلة عند الحافة
إذا نظرت إلى الذهب وحده، رأيت اكتمالًا. وإذا نظرت إلى الأسفل، رأيت الخطر. العاشقان راكعان على رقعة زهور تنتهي عند حافة غير واضحة، وقدما المرأة تقتربان من الفراغ. لهذا تحتمل الصورة قراءتين متعايشتين: الحب كملاذ يعزل العاشقين عن العالم، والحب كلحظة توازن هشة فوق حافة السقوط.
وضعية المرأة نفسها أثارت قراءات متعددة. عيناها مغمضتان، وإحدى يديها حول عنق الرجل، لكن اليد الأخرى تلامس يده قرب وجهها. هل تستسلم للقبلة، أم تضبط مسافتها، أم تفعل الأمرين معًا؟ لا تمنحنا اللوحة حركة سابقة أو لاحقة تحسم ذلك. إنها تجمد اللحظة عند النقطة التي يبقى فيها الشغف والقلق ممكنين.
هذه المساحة من الغموض هي ما أنقذ «القبلة» من أن تصبح بطاقة معايدة فقط. فالحب الإنساني لا يعيش من الانسجام وحده؛ يعيش أيضًا من اختلاف شخصين يحاولان الاقتراب من دون أن يمحو أحدهما الآخر.
حين يتحول الجسد إلى زخرفة
كان كليمت بارعًا في جعل الزينة تحمل المعنى الذي تحمله الملامح عادة. في هذه اللوحة لا نعرف قصة العاشقين من وجهيهما، بل من الأنماط التي تحاصرهما. الزخرفة تحميهما مثل رداء، لكنها تكاد تبتلعهما أيضًا.
وهنا يظهر السؤال الذي يبقى بعد جمال الذهب: متى يصبح الاتحاد قربًا، ومتى يصبح اختفاءً؟ نريد في الحب أن نعثر على شخص يرانا كاملين، لكننا نخشى في الوقت نفسه أن نصير مجرد جزء من صورته. «القبلة» لا تختار أحد الجوابين. إنها تمنحنا لحظة يبدو فيها الذوبان خلاصًا وخطرًا معًا.
الغلاف المرفق ليس نسخة من لوحة كليمت، بل إعادة تخيّل تستعير الذهب والفسيفساء والزخارف النباتية. وهذا الاختلاف مفيد تحريريًا إذا وُصف بوضوح: إنه يثبت أن لغة كليمت تجاوزت اللوحة الأصلية وأصبحت قاموسًا بصريًا نتعرف إليه حتى حين تتغير الوجوه.
الخلاصة: لم يجعل كليمت الذهب ثمينًا لأنه يلمع؛ جعله ثمينًا لأنه أحاط به لحظة بشرية يعرف العاشقان أنها لن تبقى معلقة خارج الزمن إلى الأبد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top