الثالث من مايو: اليوم الذي توقفت فيه الحرب عن ارتداء ثياب البطولة

في الطرف الأيمن بنادق متوازية، وظهور منحنية بالزاوية نفسها، وجنود بلا وجوه. وفي الطرف الآخر رجل يرتدي قميصًا أبيض، فاتحًا ذراعيه أمام الرصاص. بين الفريقين مصباح صغير على الأرض، لكنه لا يضيء البنادق؛ يضيء وجه الرجل الذي سيموت.
بهذا القرار البصري البسيط غيّر فرانسيسكو غويا صورة الحرب. لم يرسم القائد فوق حصانه، ولا الراية وهي ترتفع، ولا اللحظة التي تُعلَن فيها أسماء المنتصرين. رسم اللحظة التي يفقد فيها الإنسان اسمه أمام آلة القتل.
تعود خلفية اللوحة إلى انتفاضة مدريد في 2 مايو 1808 ضد القوات الفرنسية، وما أعقبها من إعدامات خلال الليل وصباح اليوم التالي. لكن غويا أنجز «الثالث من مايو 1808 في مدريد» سنة 1814، بعد الأحداث بنحو ست سنوات، إلى جانب لوحة «الثاني من مايو». لذلك ينبغي ألّا نتعامل معها كصورة صحفية التقطت في الموقع، ولا أن نجزم بأن غويا شاهد الإعدام بعينيه؛ إنها إعادة بناء فنية للذاكرة والعنف.
الضحية لها وجه، والآلة بلا وجه
لا نرى ملامح الجنود. تحولهم الخوذ والبنادق والصف الواحد إلى جسم عسكري واحد، كأن المسؤولية الفردية ذابت داخل الأمر الصادر. أما الذين ينتظرون الموت فلهم وجوه كثيرة: من يرفع يديه، ومن يغطي عينيه، ومن يضم قبضتيه، ومن ينحني للصلاة. الموت واحد، لكن الخوف ليس نسخة واحدة.
الرجل ذو القميص الأبيض يحتل مركز الضوء. ذراعاه المفتوحتان تستدعيان، في قراءة شائعة، هيئة المصلوب، وتظهر على إحدى كفيه علامة صغيرة تشبه الجرح. غير أن غويا لا يرسم قديسًا بعيدًا عن البشر؛ يرسم رجلًا عاديًا بثياب بسيطة، مذعورًا ومضيئًا في الوقت نفسه. لقد نقل لغة التضحية من المذبح إلى الشارع.
وعند قدميه جثث ودم. لا توجد مسافة مهذبة بين البطولة ونتيجتها. الذين ينتظرون دورهم يرون ما سيصيرون إليه بعد لحظات. إنهم لا يموتون داخل خطاب قومي مرتب، بل داخل فوضى جسدية لا تسمح للمتلقي بأن يستهلك المشهد بسهولة.
المصباح الذي فضح الظلام
عادة يرمز الضوء إلى الخلاص أو المعرفة. هنا يساعد الضوء الجنود على رؤية أهدافهم، لكنه يساعدنا أيضًا على رؤية الجريمة. الشيء نفسه يخدم القاتل والشاهد، وهذه إحدى أكثر مفارقات اللوحة قسوة.
لم يُزل غويا البطولة من التاريخ كي ينكر مقاومة أهل مدريد، بل كي يسأل عما تخفيه روايات النصر حين تتحول الحرب إلى تماثيل وخطب. فالتاريخ الرسمي يحب الجيوش في تشكيلاتها، أما الفن فيستطيع أن يتوقف عند العين التي أغمضت قبل الطلقة.
لهذا امتد أثر اللوحة إلى أعمال لاحقة تناولت الإعدام والعنف السياسي. لم يعد إطلاق النار خلفية لمجد قائد؛ صار الحدث نفسه اتهامًا. إن صف البنادق في أعمال القرن العشرين، من مانيه إلى بيكاسو، يحمل شيئًا من هذا الاختيار الذي وضعه غويا أمام الفن الحديث: لا تزيّن الموت.
من مدريد إلى حاضرنا
لا تتشابه الحروب في أسبابها وسياقاتها، ولا يجوز اختصار التاريخ في صورة واحدة. لكن جسد المدني الأعزل أمام السلاح يخلق سؤالًا أخلاقيًا يتجاوز الزمان. ومن يرى اليوم صور الضحايا في غزة لا يحتاج إلى مساواة مصطنعة بين حدثين كي يشعر بقرب لوحة غويا: يكفي أن يسأل من يُمنح وجهًا وحكاية، ومن يُختزل في تقرير إلى رقم.
تمنح اللوحة ضحاياها ما تحرمهم منه آلة الحرب: الفردية. لا نعرف أسماءهم جميعًا، لكننا نرى خوفهم واحدًا واحدًا. أما الجنود، الذين يملكون القوة، فقد حُرموا من الوجه. كأن غويا قلب منطق السلطة: السلاح يستطيع إنهاء الحياة، لكنه لا يضمن لصاحبه مكانًا إنسانيًا في الذاكرة.
الخلاصة: حين أضاء غويا الضحية وترك الجنود في العتمة، لم يرسم هزيمة رجل؛ رسم هزيمة الفكرة التي تزعم أن الحرب تصبح نبيلة بمجرد أن يكتب المنتصر قصتها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top