ماجلان — الرحلة التي أكملها رجل آخر

ماجلان — الرحلة التي أكملها رجل آخر
من البحث عن التوابل إلى أول دوران حول الأرض… رحلة غيّرت حجم العالم ومات قائدها قبل أن يرى نهايتها
في سبتمبر 1519، خرجت خمس سفن من جنوب إسبانيا واتجهت نحو الأطلسي.
لم تكن ذاهبة لتدور حول الأرض.
ولم يكن قائدها يريد أن يثبت أن الأرض كروية؛ فهذه الفكرة كانت معروفة لدى علماء عصره قبل رحلته بزمن طويل.
كان الهدف أكثر عملية بكثير:
الوصول إلى جزر التوابل من الغرب.
كانت التوابل، وخصوصًا القرنفل، من أثمن سلع التجارة العالمية. وكانت البرتغال قد فتحت لنفسها طريقًا شرقيًا إلى المحيط الهندي بالدوران حول أفريقيا.
أما التاج الإسباني فكان يبحث عن طريق آخر.
طريق يعبر الأطلسي.
ويمر غربًا.
ويصل إلى آسيا من الجهة الأخرى.
الرجل الذي قدم الخطة كان بحارًا برتغاليًا يعمل في خدمة ملك إسبانيا.
اسمه:
فرديناند ماجلان.
بعد ثلاث سنوات ستعود سفينة واحدة فقط من الحملة.
وسيدخل اسم ماجلان التاريخ.
لكن ماجلان نفسه لن يكون على متنها.
—
1519: خمسة سفن تبحث عن طريق إلى الشرق… من الغرب
لم يكن ماجلان أول رجل يبحث عن آسيا عبر الأطلسي.
كولومبوس فعل ذلك قبله.
لكنه مات وهو متمسك بدرجات متفاوتة بفكرة أن الأراضي التي وصل إليها مرتبطة بآسيا.
أما بعد رحلات كولومبوس وفسبوتشي واستكشاف أجزاء متزايدة من سواحل أمريكا، فقد أصبحت المشكلة أوضح.
هناك كتلة يابسة هائلة تقف في الطريق.
إذا كانت آسيا موجودة خلفها، فلا بد من العثور على ممر بحري يعبر هذه اليابسة أو يلتف حولها.
وهذه كانت فرضية ماجلان.
كان يعتقد أن جنوب القارة يخفي طريقًا يصل الأطلسي بالبحر الموجود خلف أمريكا.
لكن الاعتقاد بشيء على الخريطة لا يعني أن الطريق موجود فعلًا.
كان عليهم العثور عليه.
—
1520: الشتاء في أقصى الجنوب والرحلة تكاد تنهار
اتجه الأسطول جنوبًا بمحاذاة الساحل الشرقي لأمريكا الجنوبية.
كل خليج واسع كان يحمل احتمالًا:
هل هذا هو الممر؟
ثم يأتي الجواب:
لا.
واصلت السفن جنوبًا.
والبرد يزداد.
والمؤن تتراجع.
والتوتر داخل الحملة يتصاعد.
وفي منطقة باتاغونيا اضطرت السفن إلى قضاء الشتاء.
هناك لم يكن الخطر من البحر وحده.
اندلع تمرد داخل الأسطول ضد قيادة ماجلان.
كان جزء من الضباط والبحارة يشك في خطته وفي جدوى الاستمرار جنوبًا إلى مناطق لم يعرفوا ماذا ينتظرهم فيها.
قمع ماجلان التمرد بقسوة.
ثم انتظر.
وعندما تحسن الطقس، تحرك الأسطول من جديد.
لم يعد يملك السفن الخمس التي خرج بها.
لكن الطريق إلى الجنوب بقي مفتوحًا أمامه.
—
أكتوبر 1520: أخيرًا… فتحة في القارة
وجدت السفن مدخلًا غريبًا في الساحل.
مياه تمتد بين أراضٍ وجزر وقنوات متعرجة.
بدأ الاستكشاف.
الممر لم يكن خطًا مستقيمًا.
كان متاهة من المضائق والقنوات والجبال والمياه التي يمكن أن تقود السفينة إلى طريق مسدود أو إلى البحر.
واحتاج عبوره إلى أسابيع.
وخلال ذلك انسحبت إحدى السفن وعادت إلى إسبانيا.
لكن السفن التي بقيت واصلت السير.
ثم حدث شيء انتظره ماجلان منذ سنوات.
انفتح الماء أمامه.
لم تعد هناك أرض تسد الطريق غربًا.
لقد عبر من الأطلسي إلى المحيط الموجود خلف أمريكا الجنوبية.
الممر سيحمل لاحقًا اسمه:
مضيق ماجلان.
—
نوفمبر 1520: البحر الجديد الذي كان أكبر من الحسابات
خرجت السفن من المضيق إلى بحر هائل.
سمّاه الإسبان آنذاك «بحر الجنوب»، وهو المحيط الذي سيعرف لاحقًا باسم المحيط الهادئ.
بالنسبة إلى ماجلان، كان العثور عليه نجاحًا مذهلًا.
لكن النجاح أخفى مشكلة أخطر.
لم يكن أحد يعرف حجمه الحقيقي.
كانت التصورات الأوروبية للمسافات بين أمريكا وآسيا أصغر كثيرًا من الواقع.
دخلت السفن المحيط وفي ذهن رجالها أنهم سيصلون إلى اليابسة خلال مدة معقولة.
لكن الأيام تحولت إلى أسابيع.
والأسابيع إلى أشهر.
ولم تظهر الموانئ التي كانوا ينتظرونها.
—
1520–1521: ثلاثة أشهر فوق محيط يكاد لا ينتهي
تحولت الرحلة إلى صراع مع الجوع.
نفدت المؤن الطازجة.
فسد الطعام.
وأصبح الماء سيئًا.
وانتشرت الأمراض.
يصف أنطونيو بيغافيتا، أحد أفراد الحملة ومن أهم شهودها، الظروف القاسية التي عاشها الرجال خلال العبور.
كان البحر هادئًا نسبيًا في أجزاء من الرحلة، لكن ذلك لم يكن رحمة كاملة.
الهدوء لا يصنع طعامًا.
ولا يقلص المسافات.
المشكلة التي كشفتها الرحلة كانت أكبر من مجرد الجوع.
الخريطة كانت خاطئة في حجمها.
المحيط الذي يفصل أمريكا عن آسيا كان أوسع بكثير مما تخيله المخططون الأوروبيون.
وللمرة الأولى بدأ هذا الاتساع يتحول من فراغ على الورق إلى تجربة بشرية قاسية.
—
مارس 1521: اليابسة تعود أخيرًا
بعد عبور المحيط وصلت الحملة إلى غرب المحيط الهادئ، ثم إلى جزر الفلبين.
كانت السفن قد نجت من الجزء الذي بدا مستحيلًا.
والآن اقترب ماجلان من العالم التجاري الآسيوي الذي خرج من أجله.
لكن الرحلة بدأت تتغير.
لم يعد ماجلان مجرد قائد يبحث عن طريق بحري.
دخل في علاقات وتحالفات وصراعات سياسية محلية بين حكام الجزر.
وفي جزيرة سيبو أقام علاقة مع الحاكم المحلي.
ثم انخرط في نزاع مع جماعة في جزيرة ماكتان المجاورة.
وهنا اتخذ القرار الذي سيمنعه من إكمال الرحلة التي حملت اسمه.
—
27 أبريل 1521: ماكتان… نهاية ماجلان
ذهب ماجلان مع مجموعة من رجاله إلى ماكتان.
كانت المواجهة غير متكافئة في ظروف لم تسمح للأسلحة الأوروبية بأن تمنحه التفوق الذي ربما توقعه.
كانت المياه الضحلة تمنع القوارب الكبيرة من الاقتراب بما يكفي.
واضطر الرجال إلى التقدم عبر الماء نحو الساحل.
واجههم مقاتلو ماكتان بقيادة لابو لابو.
وفي أثناء القتال أُصيب ماجلان.
ثم قُتل.
كان ذلك في 27 أبريل 1521.
الرجل الذي عثر على الطريق بين الأطلسي والهادئ مات قبل الوصول إلى جزر التوابل.
ولم يدر حول الأرض.
وهذه نقطة كثيرًا ما تختفي خلف العبارة الشائعة:
«ماجلان أول من دار حول العالم».
لم يكن كذلك بالمعنى الحرفي.
ماجلان بدأ الرحلة التي أصبحت أول دوران معروف حول الأرض، لكنه لم يكملها.
—
بعد ماجلان: الحملة تبحث عن قائد وعن طريق للنجاة
كان موت القائد بداية مرحلة مرتبكة.
تغيرت القيادة أكثر من مرة.
وتراجعت أعداد الرجال إلى درجة جعلت تشغيل السفن المتبقية صعبًا.
اضطروا في النهاية إلى التخلص من إحدى السفن.
واصلت الحملة سيرها عبر جنوب شرق آسيا.
وفي أواخر سنة 1521 تحقق الهدف الذي خرجت من أجله أصلًا.
وصل الرجال إلى جزر الملوك، جزر التوابل في ما يعرف اليوم بإندونيسيا.
هناك حملوا القرنفل.
لكن الوصول لم يكن النهاية.
بقي السؤال الأصعب:
كيف يعودون إلى إسبانيا؟
—
أواخر 1521: سفينتان أمام طريقين مختلفين
بقيت سفينتان رئيسيتان:
ترينيداد وفيكتوريا.
كانت ترينيداد بحاجة إلى إصلاحات.
وعندما حاولت لاحقًا العودة شرقًا عبر المحيط الهادئ، فشلت رحلتها وانتهى كثير من رجالها في الأسر البرتغالي.
أما فيكتوريا، فقد اتخذت قرارًا مختلفًا.
ستعود غربًا.
أي أنها ستواصل السير في الاتجاه نفسه الذي بدأت به الحملة.
وإذا نجحت، فستكمل دائرة كاملة حول الأرض.
كان قائدها الجديد:
خوان سباستيان إلكانو.
—
1522: إلكانو يختار الطريق المحظور تقريبًا
كانت المشكلة أن العودة غربًا تعني دخول المياه التي تهيمن عليها البرتغال.
إسبانيا والبرتغال كانتا تتنافسان على طرق التجارة والمناطق الواقعة وراء البحار.
ولذلك حاول إلكانو تجنب الموانئ البرتغالية قدر الإمكان.
عبرت فيكتوريا المحيط الهندي.
ثم اتجهت نحو الطرف الجنوبي لأفريقيا.
دار الرجال حول رأس الرجاء الصالح في ظروف شديدة القسوة.
الجوع عاد.
والمرض عاد.
ومات رجال في الطريق.
وكانت السفينة نفسها تتدهور.
لكن إلكانو استمر غربًا.
—
سبتمبر 1522: سفينة واحدة تعود من الاتجاه الآخر
في 6 سبتمبر 1522 دخلت فيكتوريا إلى سانلوكار دي باراميدا.
وبعد يومين وصلت إلى إشبيلية.
كان قد مضى نحو ثلاث سنوات منذ بداية الرحلة.
من الأسطول الذي بدأ بخمس سفن عادت سفينة واحدة بهذه الطريق.
وكان على متنها ثمانية عشر رجلًا من الناجين الذين أكملوا الرحلة على فيكتوريا.
بينهم إلكانو.
وبينهم أنطونيو بيغافيتا، الرجل الذي سيترك لنا إحدى أهم الروايات المباشرة لما حدث.
كانت فيكتوريا قد فعلت شيئًا لم تخرج الحملة أصلًا من أجل فعله:
أكملت أول دوران بحري حول الأرض.
—
ماذا أثبتت الرحلة فعلًا؟
ليست الإجابة:
أن الأرض كروية.
فكروية الأرض لم تكن اكتشافًا لماجلان أو إلكانو.
كان علماء وفلاسفة يعرفون ذلك منذ العصور القديمة.
ما قدمته الرحلة كان شيئًا مختلفًا.
لقد حولت الفكرة الجغرافية إلى تجربة ملاحية كاملة.
أصبح من الممكن أن تخرج سفينة غربًا، وتستمر في الاتجاه نفسه، ثم تعود إلى نقطة الانطلاق من الشرق.
كما كشفت الرحلة بصورة قاسية الحجم الحقيقي للمحيط الهادئ.
وأظهرت أن محيطات العالم ليست بحارًا منفصلة تمامًا، بل أجزاء من منظومة مائية يمكن للسفن الانتقال عبرها حول الكوكب.
وهذا غيّر معنى الخريطة.
—
العالم أصبح أكبر… وأصغر في الوقت نفسه
كشفت رحلة ماجلان وإلكانو مفارقة غريبة.
العالم كان أكبر مما اعتقد الأوروبيون.
المحيط الهادئ وحده حطم تقديرات المسافات السابقة.
لكن العالم أصبح في الوقت نفسه أصغر بمعنى آخر.
للمرة الأولى أثبتت رحلة واحدة إمكانية ربط المحيط الأطلسي والهادئ والهندي ضمن مسار بحري متصل يعود إلى نقطة البداية.
ومنذ تلك اللحظة لم يعد من السهل النظر إلى المحيطات بوصفها مساحات منفصلة.
بدأت تظهر صورة عالم واحد.
لكن هذا الاتصال لم يكن مجرد قصة علم واكتشاف.
ستتبعه التجارة.
والإمبراطوريات.
والحروب.
والاستعمار.
والهجرات.
وانتقال النباتات والحيوانات والأمراض والثروات بين القارات.
كانت الخريطة تتحول إلى نظام عالمي.
—
ماجلان أم إلكانو… لمن تعود الرحلة؟
ربما كان السؤال نفسه مضللًا.
ماجلان وضع المشروع وقاد الحملة عبر الأطلسي، وعثر أسطوله على المضيق الذي سمح بالوصول إلى المحيط الهادئ، وقاد أول عبور أوروبي معروف لذلك المحيط من الشرق إلى الغرب.
لكنه مات في الفلبين.
إلكانو لم يبدأ المشروع.
لكنه تولى قيادة فيكتوريا في المرحلة الأخيرة واتخذ القرار الذي أعادها غربًا حول أفريقيا إلى إسبانيا.
من دون ماجلان، ربما لم تبدأ الرحلة بهذه الصورة.
ومن دون إلكانو والرجال الذين بقوا معه، لما أصبحت الرحلة أول دوران مكتمل حول الأرض.
لهذا فإن التعبير الأدق هو:
رحلة ماجلان وإلكانو.
إنها قصة قائد بدأ الطريق.
وقائد آخر أكمله.
وعشرات الرجال الذين دفع كثير منهم حياته ثمنًا له.
—
من ماركو بولو إلى ماجلان: عندما أغلقت الرحلة الدائرة
بدأت قصتنا قبل قرون من فيكتوريا.
ماركو بولو كشف للأوروبيين عالمًا شرقيًا يمكن الوصول إليه عبر الطرق البرية.
وابن بطوطة عبر شبكة واسعة من الطرق والمدن والموانئ الممتدة من المغرب إلى آسيا وأفريقيا.
ثم بدأ البرتغاليون البحث عن طريق بحري حول أفريقيا.
ووصل فاسكو دا غاما إلى الهند.
وعبر كولومبوس الأطلسي باحثًا عن آسيا، لكنه وجد أراضي حالت بينه وبينها.
وساهمت رحلات فسبوتشي في ترسيخ فكرة أن تلك الأراضي ليست مجرد أطراف آسيا.
ثم جاء ماجلان بالسؤال الأخير:
هل يوجد طريق عبر العالم الجديد إلى البحر الموجود خلفه؟
وجد الطريق.
لكنه لم يعد ليخبر أوروبا بنهاية القصة.
عاد إلكانو بدلًا منه.
وعندما دخلت فيكتوريا إشبيلية سنة 1522، لم تكن تحمل القرنفل فقط.
كانت تحمل دليلًا عمليًا على أن طرق البحر يمكن أن تلتقي حول الكوكب كله.
هناك اكتملت الدائرة.
لكن عصر الاستكشافات لم ينتهِ.
في الحقيقة، كان العالم الذي صنعته تلك الرحلات قد بدأ للتو.
المصادر والمراجع
Antonio Pigafetta, Journal of Magellan’s Voyage, manuscript account of the voyage, c. 1522–1525.
Antonio Pigafetta, The First Voyage Round the World, Hakluyt Society editions and translations.
Archivo General de Indias / PARES, Primera vuelta al mundo, 1519–1522, Ministerio de Cultura de España.
Ministerio de Cultura de España, I Vuelta al Mundo de Magallanes y Elcano: la Expedición de la Especiería.
Instituto de Historia y Cultura Naval, Armada Española, Elcano y la Primera Vuelta al Mundo.
Library of Congress, Journal of Magellan’s Voyage, World Digital Library Collection.
Library of Congress, The First Map of the Strait of Magellan, 1520.
Laurence Bergreen, Over the Edge of the World: Magellan’s Terrifying Circumnavigation of the Globe, William Morrow, 2003.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top