نيرون — الإمبراطور الذي ابتلعته الأسطورة
هناك إمبراطور روماني لا يحتاج إلى مقدمة.
يكفي أن تقول:
روما تحترق.
فيتذكر الناس نيرون.
ثم تظهر الصورة التي صنعتها القرون:
الإمبراطور يقف فوق المدينة المشتعلة.
يعزف الموسيقى.
ويشاهد النار كأنها عرض مسرحي أعده لنفسه.
الصورة عظيمة دراميًا.
لكنها ليست التاريخ.
فالآلة التي أصبح نيرون في المخيلة الشعبية «يعزف عليها بينما تحترق روما» لم تكن موجودة بصورتها المعروفة في القرن الأول الميلادي.
وكان نيرون خارج روما عندما بدأ الحريق الكبير سنة 64.
ولا يملك المؤرخون دليلًا حاسمًا يثبت أنه أمر بإشعال المدينة.
لكن إزالة الأسطورة لا تجعل نيرون إمبراطورًا بريئًا.
فخلف الحكايات توجد وقائع أشد تعقيدًا:
أم قُتلت بأمر ابنها.
زوجة أُعدمت.
خصوم سياسيون دفعوا حياتهم ثمنًا للصراع على السلطة.
مسيحيون تعرضوا لعقوبات وحشية بعد الحريق بحسب أهم رواية رومانية وصلت إلينا.
وإمبراطور أصبح اهتمامه بالغناء والمسرح جزءًا من أزمة سياسية مع الطبقة التي كانت تتوقع منه أن يتصرف كقيصر لا كمؤدٍ على المسرح.
المشكلة في قصة نيرون ليست أن سمعته سيئة بلا سبب.
المشكلة أننا لم نعد نعرف دائمًا أين ينتهي الرجل وأين تبدأ الشخصية التي صنعها أعداؤه بعد موته.
طفل داخل أكثر العائلات خطورة في روما
وُلد نيرون سنة 37 للميلاد باسم لوسيوس دوميتيوس أهينوباربوس.
كانت والدته أغريبينا الصغرى.
تنتمي إلى الأسرة اليوليوكلاودية الحاكمة، وهي أخت الإمبراطور كاليغولا.
منذ ولادته كان قريبًا من مركز السلطة.
وهذا في روما الإمبراطورية لم يكن امتيازًا فقط.
كان خطرًا.
فالعائلة التي أنتجت أباطرة روما كانت أيضًا عائلة امتلأ تاريخها بالنفي والمؤامرات والزيجات السياسية والوفيات المشبوهة.
بعد مقتل كاليغولا أصبح كلوديوس إمبراطورًا.
وفي سنة 49 تزوج أغريبينا.
كان كلوديوس عمها.
ومن خلال هذا الزواج دخل ابنها نيرون مباشرة إلى بيت الإمبراطور.
الأم التي صنعت إمبراطورًا
عملت أغريبينا بوضوح على تعزيز موقع ابنها.
تبناه كلوديوس.
وأصبح يحمل اسم نيرون كلوديوس قيصر.
ثم تزوج نيرون أوكتافيا، ابنة كلوديوس.
لكن كانت هناك مشكلة.
لدى كلوديوس ابن طبيعي هو بريتانيكوس.
أصبح القصر يحتوي على شابين يمكن أن ينظر إليهما بوصفهما وريثين محتملين.
في أكتوبر سنة 54 مات كلوديوس.
تقول المصادر القديمة إن أغريبينا سممته، واشتهرت قصة الفطر المسموم.
لكن تفاصيل موته جاءت إلينا عبر روايات كُتبت لاحقًا، ولا نستطيع إثبات طريقة وفاته باليقين الذي تسمح به الأدلة الحديثة.
النتيجة مع ذلك كانت واضحة.
أصبح نيرون إمبراطورًا.
كان في السادسة عشرة تقريبًا.
إمبراطور مراهق
من السهل قراءة نهاية حياة نيرون ثم إسقاطها على بدايتها.
لكن سنوات حكمه الأولى لم تبدُ لكثير من الرومان مقدمة حتمية للكوارث اللاحقة.
كان إلى جانبه رجلان مهمان.
الفيلسوف سينيكا.
وقائد الحرس البريتوري سكستوس أفرانيوس بوروس.
وحاول النظام في بدايته إظهار احترام أكبر لمجلس الشيوخ وضبط بعض تجاوزات الحكم.
كان نيرون شابًا.
وكان حوله رجال أكثر خبرة.
لكن هناك شخصًا آخر اعتقد أنه يملك حقًا خاصًا في توجيه الإمبراطور.
أمه.
من صنع الإمبراطور يريد أن يحكمه
لم تكن أغريبينا أمًا بعيدة عن السياسة.
ساعدت في إيصال نيرون إلى العرش، ويبدو أنها توقعت أن تحتفظ بنفوذ كبير بعد وصوله.
لكن السلطة لا تحب الشريك طويلًا.
بدأ الابن يبتعد عن أمه.
وظهرت صراعات داخل القصر.
في سنة 55 مات بريتانيكوس فجأة خلال مأدبة.
تقول المصادر القديمة إنه سُمم بأمر نيرون.
والرواية مقبولة على نطاق واسع بوصفها احتمالًا قويًا، مع بقاء محدودية الأدلة المباشرة التي نملكها عن أحداث القصور الرومانية.
اختفى المنافس الشاب.
لكن الصراع مع أغريبينا بقي.
قتل الأم
في سنة 59 وصلت العلاقة بين نيرون وأمه إلى نهايتها.
وتقدم المصادر القديمة قصة درامية عن محاولة قتلها بواسطة سفينة صُممت لتتحطم في البحر.
نجت أغريبينا من المحاولة وفق الرواية.
ثم أرسل نيرون رجالًا لقتلها في منزلها.
تفاصيل السفينة والمشاهد الأخيرة تحمل الطابع المسرحي الذي أحبه المؤرخون القدماء، ولا نستطيع التحقق من كل جزئية فيها.
لكن المسؤولية السياسية لنيرون عن مقتل أمه تُقبل عمومًا.
كان الإمبراطور قد أزال الشخص الذي لعب الدور الأكبر في صناعة عرشه.
السلطة لم تكتفِ بقطع الحبل الذي ربطه بأمه.
قطعت صاحبة الحبل نفسها.
أوكتافيا
كانت أوكتافيا زوجة نيرون وابنة الإمبراطور كلوديوس.
لكن نيرون ارتبط ببوبّيا سابينا.
في سنة 62 طلّق أوكتافيا.
ثم نُفيت.
وبعد ذلك أُعدمت.
كانت لا تزال شابة.
وتقول الروايات القديمة إن قتلها أثار استياءً بين بعض سكان روما الذين كانوا يتعاطفون معها.
تزوج نيرون بوبّيا.
ومرة أخرى نجد أنفسنا في عالم تختلط فيه العلاقات الشخصية بالخلافة السياسية.
زواج الإمبراطور ليس شأنًا عاطفيًا فقط.
كل زوجة تحمل نسبًا.
وكل طفل محتمل يحمل سؤالًا عن المستقبل.
الإمبراطور الذي أراد التصفيق
كان نيرون مولعًا بالموسيقى والشعر والمسرح وسباقات العربات.
هذه الحقيقة ليست مجرد إشاعة معادية.
كان يعتبر نفسه فنانًا.
وغنى أمام الجمهور وشارك في عروض ومسابقات.
بالنسبة إلى إنسان يعيش اليوم، قد يبدو ذلك جانبًا لطيفًا في شخصية حاكم:
إمبراطور يحب الفن.
لكن روما الأرستقراطية كانت ترى الأمر بطريقة مختلفة.
المسرح والأداء العلني لم يكونا نشاطين متوقعين من رجل يحمل أعلى مكانة في الدولة.
كان الإمبراطور يجب أن يشاهد العرض.
لا أن يتحول هو إلى المؤدي.
لذلك لم تكن المشكلة في جودة صوت نيرون وحدها.
كان يكسر قواعد المكانة الاجتماعية والسياسية الرومانية.
يطلب التصفيق في مجتمع يعتقد أن الإمبراطور يجب أن يكون هو من يمنح الاعتراف للآخرين.
ليلة تغيرت فيها روما
في يوليو سنة 64 اندلع حريق هائل في روما.
بدأ في منطقة قرب السيرك العظيم وانتشر بسرعة بين المباني والشوارع المكتظة.
استمر الحريق أيامًا، ثم تجدد في بعض المناطق.
دُمرت أجزاء واسعة من المدينة.
خسر الناس بيوتهم.
وممتلكاتهم.
ومات عدد غير معروف.
ثم بدأ السؤال الذي سيطارد نيرون إلى الأبد:
من أشعل النار؟
هل أحرق نيرون روما؟
أفضل إجابة تاريخية هي:
لا نعرف سبب الحريق على وجه اليقين، ولا يوجد دليل حاسم يثبت أن نيرون أمر به.
المؤرخ الروماني تاسيتوس، وهو مصدر شديد الأهمية رغم كتابته بعد الحدث بعقود، يقول إن الروايات اختلفت بين حادث عرضي ومؤامرة مرتبطة بالإمبراطور.
وكان نيرون في أنتيوم عندما بدأ الحريق.
عاد إلى روما بعد ذلك.
وتذكر المصادر أنه اتخذ إجراءات لمساعدة المنكوبين، من بينها فتح بعض المساحات لاستقبالهم وتأمين الغذاء وخفض سعر الحبوب.
بعد الحريق وُضعت كذلك قواعد جديدة للبناء هدفت إلى تقليل مخاطر الحرائق المستقبلية.
هذه الصورة لا تتفق بسهولة مع الأسطورة البسيطة عن إمبراطور أشعل المدينة ثم جلس يستمتع بالمشهد.
لكن ما فعله بعد ذلك جعل الشائعات أسهل في التصديق.
البيت الذهبي
بعد الكارثة بدأ نيرون بناء مجمع قصري ضخم عرف باسم «دوموس أوريا»:
البيت الذهبي.
امتد المشروع فوق مساحة كبيرة من قلب روما.
قاعات.
وزخارف.
وحدائق.
وبحيرة صناعية.
كان مشروعًا استثنائيًا.
لكن بالنسبة إلى من رأى مدينته تحترق، ثم رأى الإمبراطور يستخدم جانبًا من المساحة المدمرة لبناء قصر هائل، كان السؤال طبيعيًا:
هل استفاد نيرون من الحريق؟
ومن هذا السؤال كانت المسافة قصيرة إلى سؤال آخر:
هل أشعله أصلًا؟
الاستفادة من الكارثة لا تثبت صناعتها.
لكن السياسة لا تعمل بالدليل وحده.
تعمل أيضًا بالشبهة.
هل عزف بينما كانت روما تحترق؟
لا.
ليس بالمعنى الشائع.
العبارة الإنجليزية الشهيرة عن «العزف على الكمان بينما تحترق روما» مستحيلة حرفيًا، لأن الكمان بشكله المعروف ظهر بعد عصر نيرون بقرون طويلة.
لكن وراء الأسطورة رواية أقدم.
تذكر بعض المصادر أن نيرون غنى عن سقوط طروادة أو عزف على القيثارة بينما كانت المدينة تحترق.
المشكلة أن الروايات متضاربة، ونيرون لم يكن في روما عند اندلاع الحريق.
إذن لا يمكن تحويل الحكاية إلى مشهد تاريخي مؤكد.
الأدق أن نقول إن سمعة نيرون بوصفه مؤديًا مهووسًا بالفن امتزجت بكارثة الحريق، ومن المزج ولد مشهد أقوى من الأدلة التي تدعمه.
المسيحيون
بعد الحريق استمرت الشكوك حول المسؤولية.
وهنا تظهر واحدة من أخطر وقائع عهد نيرون.
يقول تاسيتوس إن نيرون ألقى بالمسؤولية على المسيحيين، الذين كانوا في ذلك الوقت جماعة صغيرة نسبيًا في روما.
ويصف عقوبات قاسية للغاية:
قتل.
وصلب.
واستخدام بعض الضحايا في مشاهد عقابية مروعة.
رواية تاسيتوس كُتبت بعد الحادثة بنحو نصف قرن، وليست شهادة عيان.
كما ناقش الباحثون جوانب متعددة من تفاصيلها.
لكنها تظل المصدر الروماني الأهم الذي يربط نيرون باضطهاد المسيحيين بعد الحريق.
المهم أيضًا ألا ننقل إلى سنة 64 صورة الاضطهادات الإمبراطورية الواسعة التي عرفتها فترات لاحقة.
ما نراه هنا، إذا أخذنا رواية تاسيتوس، كان إجراءً مرتبطًا بروما وبأزمة محددة، لا سياسة إمبراطورية موحدة ضد المسيحية في كل أنحاء الدولة.
الإمبراطور والفنان
بعد الحريق أصبح نيرون أكثر انغماسًا في مشروعاته الفنية والعمرانية.
وأقام مسابقات وعروضًا.
ثم ذهب إلى اليونان سنة 66 تقريبًا وشارك في مسابقات فنية ورياضية متعددة.
كان الإمبراطور نفسه منافسًا.
ومن الصعب تخيل الحكام واللجان وهم يتعاملون مع سؤال بسيط:
ماذا يحدث إذا خسر الإمبراطور؟
عاد نيرون محملًا بالانتصارات.
لكن قيمة انتصار في مسابقة يشارك فيها الرجل القادر على تحديد مصائر الآخرين ليست سهلة القياس.
بالنسبة إليه ربما كان الاعتراف بفنه حقيقيًا.
بالنسبة إلى خصومه كان المشهد دليلًا إضافيًا على أن الإمبراطور نسي ما يجب أن يكون عليه الإمبراطور.
اليونان التي أحبها
اهتم نيرون بالثقافة اليونانية بصورة واضحة.
وخلال رحلته أعلن منح مقاطعة أخائية اليونانية امتيازات مرتبطة بالحرية والإعفاءات.
هذا الجانب جعل صورته في أجزاء من العالم اليوناني مختلفة عن صورته في كثير من الأدب الروماني اللاحق.
وهنا يظهر تحذير مهم.
ليس هناك «نيرون واحد» في الذاكرة القديمة.
مجلس الشيوخ قد يراه بطريقة.
سكان روما بطريقة.
بعض المدن اليونانية بطريقة أخرى.
والأجيال المسيحية اللاحقة بطريقة رابعة.
سمعة الحاكم تعتمد أيضًا على من يكتب عنه.
مؤامرة بيسو
في سنة 65 اكتُشفت مؤامرة واسعة ضد نيرون ارتبطت باسم غايوس كالبورنيوس بيسو.
شارك فيها أو اتُّهم بالصلة بها عدد من أعضاء النخبة.
جاء الرد قاسيًا.
سلسلة من الإعدامات والانتحارات القسرية.
وكان بين الذين ماتوا الفيلسوف سينيكا، الذي كان يومًا معلم نيرون ومستشاره.
كما مات الشاعر لوكان.
بدأ المجال المحيط بالإمبراطور يضيق.
كل مؤامرة تنتج خوفًا.
والخوف ينتج مراقبة وعقابًا.
والعقاب يولد أعداء جددًا.
ماذا حدث لبوبّيا؟
ماتت بوبّيا سابينا سنة 65 وهي حامل.
تقول روايات قديمة إن نيرون ركلها أثناء شجار، فتسببت الإصابة في موتها.
لكن المؤرخين المعاصرين يتعاملون بحذر مع هذه القصة.
فالمصادر المعادية لنيرون كانت تميل إلى تقديم حياته الخاصة ضمن صورة الطاغية الذي يدمر حتى أقرب الناس إليه.
من الممكن أنها ماتت بسبب مضاعفات الحمل أو المرض.
ولا توجد لدينا وسيلة لحسم الأمر.
هذه واحدة من الحالات التي تكشف صعوبة كتابة تاريخ نيرون:
لدينا قصة ممتازة.
لكن القصة الممتازة ليست دائمًا دليلًا ممتازًا.
المصادر التي لا تحبه
معظم الصورة الأدبية المعروفة لنيرون جاءت من ثلاثة مؤلفين رئيسيين:
تاسيتوس.
سويتونيوس.
وكاسيوس ديو.
كلهم كتبوا بعد عهد نيرون.
وكاسيوس ديو بعده بزمن طويل خصوصًا.
ولا يعني ذلك أن نرمي كتبهم جانبًا.
فمن دونهم سنفقد جانبًا ضخمًا من تاريخ روما.
لكنهم لم يكونوا كاميرات.
كانت لهم أغراض أدبية وأخلاقية وسياسية.
واستخدم المؤرخون القدماء الخطب والحكايات والمشاهد الدرامية لبناء شخصية الحاكم الصالح أو الطاغية.
والعهد الذي انتهى بسقوط نيرون لم يترك وراءه دولة تريد الدفاع عن سمعته.
كان المنتصرون الجدد يملكون أسبابًا أفضل للابتعاد عنه من إعادة تأهيله.
هل يعني هذا أن نيرون بريء؟
لا.
مراجعة المصادر ليست محكمة استئناف تعيد كل طاغية قديم إلى البراءة.
هناك ما يكفي من الأدلة لربط نيرون بأعمال عنيفة وقمع سياسي واضح.
مقتل أغريبينا.
إعدام أوكتافيا.
عمليات القمع بعد مؤامرة بيسو.
والعقوبات المنسوبة إليه ضد المسيحيين.
كما أن حكمه في سنواته الأخيرة خلق عداءً قويًا داخل قطاعات من النخبة والجيش.
لكن شيئًا واحدًا يجب فصله:
نيرون التاريخي.
ونيرون الذي أصبح وعاءً وضع فيه كل جيل صورة الطاغية التي يحتاجها.
الثورة تبدأ من الأطراف
في سنة 68 تمرد الحاكم غايوس يوليوس فينديكس في بلاد الغال.
أعلن دعمه لغالبا، حاكم هسبانيا.
تمرد فينديكس نفسه فشل عسكريًا، ومات.
لكن الأزمة لم تنتهِ.
فقد نيرون ثقة أجزاء حاسمة من الجيش والنظام السياسي.
وأعلن غالبا نفسه في موقع المنافس على السلطة.
عندما يتوقف الجيش عن الاعتقاد بأن الإمبراطور قادر على حمايته أو مكافأته، تصبح القصور أقل أهمية من المعسكرات.
انهارت شبكة الولاء بسرعة.
مجلس الشيوخ يغير الجهة
في النهاية أصبح نيرون معزولًا.
تخلى عنه الحرس.
وأعلن مجلس الشيوخ موقفه ضده واعتبره عدوًا للدولة.
فرّ من القصر.
كان الرجل الذي غنى أمام جماهير ضخمة يبحث الآن عن مكان يختبئ فيه.
لجأ إلى فيلا أحد المعتَقين خارج روما.
وفي يونيو سنة 68 أنهى حياته بمساعدة أحد مرافقيه.
كان في الثلاثين من عمره.
ومع موته انتهى حكم الأسرة اليوليوكلاودية التي بدأت مع أغسطس.
الإمبراطورية لم تنتهِ.
لكن السؤال أصبح:
من يصبح الإمبراطور الآن؟
والجواب سيأتي في سنة من الحروب الأهلية عرفت بسنة الأباطرة الأربعة.
«يا له من فنان يموت معي»
ينسب سويتونيوس إلى نيرون في ساعاته الأخيرة عبارة شهيرة تعبر عن أسفه لموت الفنان الذي يموت بموته.
لا نستطيع التعامل معها كأن أحدًا كان يحمل جهاز تسجيل بجواره.
المؤرخون القدماء أحبوا الكلمات الأخيرة المثالية التي تلخص شخصية صاحبها.
لكن حتى لو كانت العبارة أدبية أكثر منها حرفية، فإنها تقول شيئًا عن الطريقة التي تذكره بها الأجيال.
في اللحظة التي كانت الإمبراطورية تضيع من يده، بقيت صورة الفنان حاضرة.
كأن نيرون لم يعرف أين ينتهي الإمبراطور داخله وأين يبدأ المؤدي.
هل كان مكروهًا من الجميع؟
لا.
وهذه نقطة مهمة.
بعد موته ظهرت حالات من الحنين إليه بين قطاعات من السكان، وخصوصًا في بعض مناطق الشرق.
وظهر أكثر من شخص ادعى أنه نيرون الذي نجا وعاد.
لو كان الرجل مكروهًا بصورة مطلقة من كل سكان الإمبراطورية، لكان من الصعب تفسير قدرة «نيرونات كاذبين» على جذب الأتباع.
كان حكمه يحمل وجوهًا متعددة.
بعض سياساته الشعبية وألعابه وتوزيعاته ربما ساعدت على بقائه محبوبًا لدى فئات لم تكن تشارك مجلس الشيوخ نظرته إليه.
الإمبراطور السيئ بالنسبة إلى النخبة لا يجب أن يكون بالضرورة الإمبراطور نفسه في ذاكرة الشارع.
نيرون والمسيحية
مع نمو المسيحية تحولت صورة نيرون إلى شيء أكبر من إمبراطور روماني سيئ السمعة.
ارتبط اسمه باضطهاد المسيحيين الأوائل.
وبتقاليد استشهاد بطرس وبولس في روما، رغم أن تفاصيل هذه الروايات تأتي من تقاليد مسيحية لا من توثيق معاصر مباشر لكل حدث.
وفي أزمنة لاحقة أصبح نيرون رمزًا للطاغية المعادي للمسيحية.
بل ارتبط في بعض التفسيرات بفكرة ضد المسيح.
هنا بدأ الرجل يخرج من التاريخ ويدخل الرمز.
وحين يتحول الشخص إلى رمز، تصبح إزالة القصص التي التصقت به أصعب.
الحريق الذي ابتلع بقية حياته
لو لم يقع حريق سنة 64، لربما بقي نيرون في الذاكرة بطريقة مختلفة.
لكن النار أصبحت مركز صورته.
حتى الأحداث التي سبقتها أو تلتها بدأت تُقرأ من خلالها.
أمه.
زوجاته.
الفن.
القصر الذهبي.
المسيحيون.
كل شيء دخل في قصة واحدة:
الإمبراطور المجنون الذي أحرق روما.
وهذه القصة ممتازة للأدب والسينما.
لكن التاريخ لا يحب القصص الممتازة عندما تكون أكثر نظافة من الأدلة.
الحريق حدث.
نيرون لم يكن في المدينة عند بدايته.
اتخذ إجراءات إغاثة وإعادة بناء.
واستخدم لاحقًا مساحة واسعة لمشروعه الإمبراطوري.
وانتشرت شائعات تتهمه.
أما أنه أمر بإشعال روما، فلا نستطيع إثباته.
المفارقة
أراد نيرون أن يعرفه الناس بوصفه فنانًا.
كان يغني.
ويمثل.
ويتنافس.
ويبني.
ويبحث عن التصفيق.
لكن الفن الذي بقي مرتبطًا باسمه لم يكن العمل الذي أداه بنفسه.
كان العمل الذي صنعه الآخرون منه.
المؤرخون.
والشعراء.
والمسيحيون.
والرسامون.
والروائيون.
والسينما.
كل جيل أضاف ضربة فرشاة.
حتى اختفى الرجل تقريبًا خلف صورته.
وهذه ربما أكبر مفارقات حياته.
الإمبراطور الذي أراد التحكم في المسرح أصبح بعد موته شخصية في مسرح لم يعد يستطيع التحكم في نصه.
الإمبراطور الذي ابتلعته الأسطورة
إعادة النظر في نيرون لا تعني تبرئته.
ولا تعني تحويله إلى ضحية بريئة لمؤرخين أشرار.
تعني شيئًا أكثر بساطة وأصعب في الوقت نفسه:
أن نقبل التاريخ من دون راحته الدرامية.
كان حاكمًا ارتبط حكمه بالقتل والقمع والصراع داخل الأسرة والنخبة.
وكان كذلك راعيًا للفنون، وصاحب مشروعات عمرانية، وحاكمًا اختلفت صورته بين جماعات الإمبراطورية.
لم يثبت أنه أحرق روما.
ولم يعزف كمانًا وهي تحترق.
ومصادرنا الرئيسية عنه كُتبت في بيئات لم تكن محايدة تجاهه.
لكن إزالة الأكاذيب لا تمحو الوقائع.
بل تسمح لنا برؤية الشيء الأكثر إثارة من الأسطورة:
كيف يتحول حاكم حقيقي إلى شخصية أكبر من حياته؟
روما احترقت مرة واحدة سنة 64.
أما صورة نيرون واقفًا أمام النار، فما زالت تحترق منذ ألفي عام.
المصادر والمراجع
- تاسيتوس — الحوليات، الكتب الثالث عشر إلى السادس عشر.
- سويتونيوس — حياة القياصرة الاثني عشر: نيرون.
- كاسيوس ديو — التاريخ الروماني، الكتب المتعلقة بعهد نيرون.
- Miriam T. Griffin — Nero: The End of a Dynasty.
- Edward Champlin — Nero.
- Anthony A. Barrett — Rome Is Burning: Nero and the Fire That Ended a Dynasty.
- Shushma Malik — The Nero-Antichrist: Founding and Fashioning a Paradigm.
- The Cambridge Companion to the Age of Nero.

