لشبونة 1755 — حين اهتزّ يقين الإنسان
كان صباح الأول من نوفمبر 1755 يومًا دينيًا مهمًا في لشبونة.
عيد جميع القديسين.
خرج الناس إلى الكنائس.
أُضيئت الشموع.
وامتلأت المدينة بالحركة.
كانت لشبونة عاصمة إمبراطورية تمتد ممتلكاتها ومصالحها عبر الأطلسي وإفريقيا وآسيا والبرازيل.
مدينة موانئ وتجارة وكنائس وقصور.
ثم اهتزت الأرض.
لم يكن ما حدث مجرد زلزال.
بعد الهزات جاءت أمواج البحر.
ثم اشتعلت الحرائق.
وفي ساعات قليلة أصبحت أجزاء واسعة من إحدى أهم عواصم أوروبا ركامًا.
لكن الكارثة لم تهدم المباني وحدها.
هزت سؤالًا كان الأوروبيون يحاولون الإجابة عنه منذ زمن:
هل يعيش الإنسان في عالم منظم وعادل؟
وإذا كان كذلك، فكيف يمكن لمدينة كاملة أن تتحطم في صباح ديني بينما يصلّي الناس داخل الكنائس؟
من هنا تجاوز زلزال لشبونة حدود البرتغال.
دخل الفلسفة.
والعلوم.
والعمارة.
والسياسة.
وأجبر القرن الثامن عشر على النظر إلى الطبيعة بطريقة مختلفة.
قبل أن تتحرك الأرض
كانت لشبونة في منتصف القرن الثامن عشر واحدة من أهم مدن العالم الأطلسي.
من مينائها مرت الثروات القادمة من الإمبراطورية البرتغالية.
ووصل إليها الذهب والسلع من البرازيل.
وازدهرت التجارة مع أوروبا ومناطق أخرى من العالم.
كانت المدينة تجمع بين أحياء قديمة ذات شوارع ضيقة ومبانٍ كثيفة، ومناطق ملكية وتجارية مرتبطة بنهر تاجه.
وفي قلبها، قرب النهر، كانت تقوم الساحة الملكية الكبرى ومجمعات إدارية وتجارية مهمة.
لم تكن المدينة تعرف أنها ستضطر بعد ساعات إلى إعادة اختراع نفسها.
صباح الأول من نوفمبر
وقع الزلزال في صباح 1 نوفمبر 1755.
لم تكن أجهزة قياس الزلازل الحديثة موجودة.
ولهذا لا نستطيع أن نعطيه قوة دقيقة كما لو أن جهازًا سجلها لحظة وقوعه.
التقديرات الحديثة تختلف.
لكن لا خلاف على أنه كان من أقوى الزلازل التاريخية المعروفة في منطقة شمال شرق الأطلسي وغرب أوروبا.
شُعر بالاهتزاز على مساحات واسعة.
وفي لشبونة انهارت مبانٍ وكنائس ومنازل.
هرب من استطاع الهرب إلى الأماكن المفتوحة.
وكان كثيرون يعتقدون أن أسوأ ما حدث قد انتهى.
لم يكن قد انتهى.
البحر يتراجع
بعد الزلزال حدث شيء بدا غريبًا للسكان القريبين من النهر والميناء.
تغير مستوى المياه.
ثم وصلت أمواج تسونامي إلى الواجهة البحرية.
الأرض دفعت الناس نحو الساحات والمناطق المفتوحة.
وبعض الأماكن المفتوحة كانت قرب الماء.
ثم أصبح الماء نفسه خطرًا.
هذه إحدى أكثر خصائص الكارثة قسوة.
الهرب من خطر يمكن أن يقود إلى خطر آخر.
ما بدا مأوى من المباني المنهارة لم يكن بالضرورة آمنًا من البحر.
الكارثة الثالثة
لو انتهى الأمر عند الزلزال والتسونامي لكانت الكارثة هائلة.
لكن الحرائق اندلعت أيضًا في المدينة.
كانت هناك مواقد وشموع ومواد قابلة للاشتعال.
وفي يوم ديني كانت الشموع مضاءة في أماكن كثيرة.
استمرت النيران وانتشرت بين الأبنية والشوارع.
أجزاء نجت من الانهيار تعرضت للحريق.
أصبحت لشبونة تواجه في الوقت نفسه آثار ثلاثة أنواع من الكوارث:
اهتزاز الأرض.
واجتياح المياه.
والنار.
ولهذا يصعب الحديث عن «زلزال لشبونة» فقط.
ما أصاب المدينة كان كارثة مركبة.
كم مات؟
هنا تبدأ مشكلة الأرقام.
تختلف التقديرات التاريخية والحديثة كثيرًا.
تذكر المصادر أعدادًا تصل إلى عشرات الآلاف في لشبونة ومناطق أخرى تأثرت بالزلزال والتسونامي.
لكن لا يوجد تعداد ضحايا حديث يمكن الاعتماد عليه لإنتاج رقم نهائي دقيق.
كما اختلفت التقديرات بشأن عدد سكان لشبونة نفسها.
الأكثر أمانًا تاريخيًا هو القول:
كانت الخسائر البشرية هائلة، وبلغت عشرات الآلاف بحسب كثير من التقديرات.
أما تحويل رقم واحد إلى حقيقة نهائية، فليس ممكنًا.
الكارثة لا تصبح أكثر حقيقة إذا بالغنا في عدد موتاها.
لم تكن لشبونة وحدها
الاسم الذي بقي في التاريخ هو «زلزال لشبونة».
لكن الزلزال لم يحترم حدود المدينة.
تأثرت مناطق أخرى من البرتغال بشدة.
ووصل تأثير التسونامي إلى سواحل مختلفة من شبه الجزيرة الإيبيرية والمغرب وشمال الأطلسي.
عانت مناطق في جنوب البرتغال خصوصًا من أضرار كبيرة.
إذن لشبونة كانت مركز الذاكرة السياسية والفكرية للكارثة.
لكنها لم تكن المكان الوحيد الذي عاشها.
العاصمة تملك قدرة على احتكار اسم المأساة حتى عندما تكون المأساة أوسع منها.
لماذا كان يوم جميع القديسين مهمًا؟
لأن التوقيت غير الطريقة التي فُهم بها الحدث.
كانت الكنائس جزءًا مركزيًا من الحياة العامة.
وفي صباح عيد ديني دخل كثير من الناس إليها.
ثم انهارت كنائس وقتل أشخاص داخل أماكن العبادة.
بالنسبة إلى مجتمع يرى العالم من خلال إطار ديني قوي، كان السؤال لا مفر منه:
لماذا؟
هل كان الزلزال عقابًا؟
ولماذا يقع في يوم مقدس؟
ولماذا يموت أشخاص وهم يصلّون؟
هذه الأسئلة لم تكن علمية فقط.
كانت دينية وفلسفية وأخلاقية.
الكارثة والعقاب
فسر بعض الوعاظ والكتاب الزلزال من خلال الخطيئة والعقاب الإلهي.
لم يكن هذا غريبًا في القرن الثامن عشر.
على مدى قرون فسرت مجتمعات كثيرة الأوبئة والمجاعات والزلازل والحروب من خلال العلاقات بين الإنسان والإله.
لكن زلزال لشبونة جاء في عصر مختلف أيضًا.
العلم الحديث كان يتقدم.
وأفكار التنوير كانت تنتشر.
وأصبح هناك مفكرون يسألون:
ماذا لو كان الزلزال ظاهرة طبيعية يجب أن نبحث عن أسبابها في الأرض نفسها بدل أن نبحث أولًا عن الذنوب التي سبقتها؟
هنا لم يعد الخلاف حول لشبونة فقط.
أصبح خلافًا حول كيفية فهم العالم.
الملك الذي نجا
كان الملك جوزيه الأول خارج قلب المدينة عند وقوع الزلزال، في منطقة بليم مع البلاط، ولذلك نجا من الدمار الذي أصاب المركز.
أما القصر الملكي الرئيسي قرب الواجهة البحرية فقد تعرض للدمار.
وجدت الملكية نفسها أمام عاصمة منكوبة.
النظام السياسي نفسه لم يسقط.
لكن عليه الآن أن يثبت قدرته على إدارة ما بعد الكارثة.
وفي هذه اللحظة ظهر رجل سيصبح اسمه مرتبطًا بلشبونة الجديدة:
سيباستياو جوزيه دي كارفالو إي ميلو.
الرجل الذي سيعرف لاحقًا باسم ماركيز بومبال.
قبل أن يصبح ماركيز بومبال
في سنة 1755 لم يكن يحمل بعد اللقب الأشهر الذي سيعرفه التاريخ به لاحقًا.
كان وزيرًا قويًا في حكومة الملك جوزيه الأول.
بعد الكارثة أصبح دوره في إدارة الأزمة وإعادة البناء عاملًا مهمًا في صعود نفوذه.
تروى عنه عبارة شهيرة بمعنى:
دفن الموتى وإطعام الأحياء.
لكن شهرة العبارة لا تجعل نسبتها الحرفية إليه مؤكدة بما يكفي لنعاملها كتسجيل دقيق لكلماته.
أما ما فعلته الحكومة، فيمكن تتبعه بشكل أفضل.
كان هناك موتى يجب التعامل معهم.
ونازحون.
وجرحى.
ونقص في المساكن.
وخطر نهب.
وطعام يجب توفيره.
ومدينة يجب ألا تتحول الكارثة فيها إلى انهيار سياسي كامل.
بعد الزلزال تبدأ الدولة
الكارثة الطبيعية تستغرق دقائق.
أما الكارثة السياسية فقد تستمر سنوات إذا عجزت الدولة عن التعامل معها.
اتخذت الحكومة إجراءات لتنظيم المدينة بعد الزلزال.
كان عليها إزالة الأنقاض.
ومعالجة الجثث.
وتوفير الإمدادات.
وضبط الأمن والأسعار والتجارة.
والتفكير فيما إذا كانت لشبونة ستبنى في المكان نفسه أصلًا.
المثير هنا أن الاستجابة لم تكن فقط:
كيف نعيد ما كان؟
بل:
هل نستطيع بناء شيء مختلف؟
ومن هنا خرجت لشبونة البومبالية.
هل نترك المدينة؟
كان من الممكن نظريًا إعادة بناء العاصمة بطريقة مختلفة تمامًا أو نقل أجزاء من وظائفها إلى أماكن أخرى.
لكن القرار اتجه إلى إعادة بناء قلب لشبونة.
لم يكن الهدف إعادة الأزقة القديمة حجرًا فوق حجر.
في منطقة بايشا المنخفضة، التي تعرضت لدمار واسع، ظهرت فرصة نادرة وقاسية:
مساحة حضرية كاملة تقريبًا يمكن إعادة تخطيطها.
الكارثة مسحت جزءًا من المدينة القديمة.
والدولة قررت أن تستخدم الفراغ لفرض مدينة جديدة.
الشوارع تصبح مستقيمة
المدينة الوسيطة التقليدية تتشكل غالبًا عبر قرون.
طريق ينحني حول مبنى.
زقاق ينمو بين بيتين.
سوق يظهر ثم تتجمع حوله الأبنية.
النتيجة شبكة عضوية وغير منتظمة.
أما إعادة بناء بايشا فاتبعت منطقًا مختلفًا.
شوارع أكثر انتظامًا.
محاور أوسع.
مبانٍ ذات ارتفاعات وواجهات أكثر ضبطًا.
وساحات منظمة.
لم تعد المدينة مجرد نتيجة لتراكم التاريخ.
أصبحت مشروعًا.
السلطة ترسم الخط على الورق.
ثم تجبر الحجر على اتباعه.
«القفص البومبالي»
ارتبطت مباني إعادة الإعمار بتقنيات إنشائية هدفت إلى جعلها أكثر قدرة على التعامل مع الاهتزازات.
ومن أشهر العناصر ما أصبح يعرف باسم «القفص البومبالي».
هيكل خشبي داخلي يساهم في تدعيم البناء وإعطائه مرونة أكبر.
لا ينبغي أن نتخيل مهندسي القرن الثامن عشر وكأنهم يستخدمون حسابات هندسة الزلازل الحديثة.
لكن فكرة البناء مع مراعاة ما حدث سنة 1755 كانت موجودة بوضوح.
الكارثة تحولت إلى معلومة هندسية.
وهذه خطوة بالغة الأهمية.
بدل أن نقول:
حدث الزلزال وانتهى.
أصبح السؤال:
كيف يجب أن نبني لأن الزلزال قد يحدث مرة أخرى؟
هل اختبروا المباني بالجنود؟
تنتشر رواية شهيرة تقول إن نماذج للمباني اختبرت بجعل الجنود يسيرون حولها لمحاكاة الاهتزازات.
القصة جذابة جدًا، وتتكرر كثيرًا في المواد الشعبية عن إعادة بناء لشبونة.
لكن تفاصيلها التوثيقية ليست بالقوة نفسها التي تتمتع بها الأدلة على وجود أنظمة البناء البومبالية نفسها.
لذلك لا ينبغي أن نبني المقال كله عليها كأنها حقيقة مؤكدة.
المؤكد أهم من الحكاية على أي حال:
إعادة البناء أخذت مقاومة الزلازل في الاعتبار بطريقة مبتكرة لعصرها.
عندما تسأل الدولة الشهود
بعد الزلزال أُرسلت أسئلة إلى مناطق مختلفة لجمع المعلومات عما حدث.
طُلبت إفادات عن توقيت الهزات ومدتها.
والأضرار.
وسلوك المياه.
وظواهر أخرى لاحظها السكان.
هذه المحاولة لجمع شهادات منظمة عن ظاهرة طبيعية أعطت الباحثين لاحقًا مادة مهمة لدراسة الزلزال.
لكن الأهمية الأكبر تكمن في الفكرة نفسها.
بدل الاكتفاء بالقول:
غضبت الطبيعة.
بدأت الدولة تسأل:
أين؟
ومتى؟
وماذا حدث للماء؟
وكم استمر الاهتزاز؟
حين تتحول الكارثة إلى أسئلة قابلة للمقارنة، يبدأ شيء يشبه العلم المنظم للكوارث.
الزلزال الذي سبق علم الزلازل الحديث
لم يكن علم الزلازل الحديث موجودًا سنة 1755.
لم تكن الصفائح التكتونية معروفة.
ولم يكن العلماء يفهمون باطن الأرض بالطريقة المعاصرة.
ظهرت نظريات مختلفة لتفسير سبب الاهتزاز.
بعضها خاطئ بمقاييسنا الحالية.
لكن المهم أن عددًا من الباحثين حاول تفسير الحدث طبيعيًا.
كانط الشاب، قبل أن يصبح صاحب مؤلفاته الفلسفية الأشهر، كتب عن الزلازل وحاول تقديم تفسير طبيعي لها وفق معرفة عصره.
لم يصب في كل شيء.
وهذا طبيعي.
قيمة اللحظة ليست أن علماء 1755 عرفوا الحقيقة كاملة.
بل أنهم اعتبروا أن هناك حقيقة طبيعية يمكن البحث عنها.
فولتير يسمع الخبر
وصلت أخبار لشبونة إلى أوروبا بسرعة نسبية لعصرها.
كانت الكارثة موضوعًا في الرسائل والصحف والكتب والمواعظ.
لكن أحد أشهر ردود الفعل جاء من فولتير.
كانت الفلسفة الأوروبية تعرف جدلًا حول «التفاؤل» وفكرة أن العالم، ضمن النظام الإلهي الأشمل، يمكن فهمه بوصفه أفضل عالم ممكن.
أمام كارثة لشبونة رأى فولتير مشكلة.
كيف يمكن مواجهة آلاف القتلى والدمار بكلمات تقول إن كل شيء في النهاية جزء من أفضل ترتيب ممكن؟
كتب قصيدته عن كارثة لشبونة.
ثم ستظهر أصداء المسألة بقوة في روايته الساخرة «كانديد».
المشكلة ليست أن فولتير اكتشف الشر
بالطبع لم يكن زلزال لشبونة أول كارثة في تاريخ البشر.
حروب وأوبئة ومجاعات حدثت قبلها بقرون.
ولم يحتج الفلاسفة إلى زلزال كي يعرفوا أن البشر يتألمون.
لكن لشبونة وقعت في لحظة فكرية مناسبة لتصبح رمزًا.
مدينة أوروبية كبرى.
كارثة ضخمة.
شبكات طباعة واتصال تنقل الخبر.
وعصر يناقش العقل والطبيعة والإله والتقدم.
أحيانًا لا يغير الحدث العالم لأنه جديد تمامًا.
بل لأنه يقع في اللحظة التي يكون فيها العالم مستعدًا للسؤال عنه.
روسو يرد
لم يقبل جان جاك روسو كل ما استنتجه فولتير من الكارثة.
في رسالته إلى فولتير عن العناية الإلهية، أثار فكرة مختلفة.
الزلزال ظاهرة طبيعية.
لكن حجم الكارثة البشرية مرتبط أيضًا بطريقة حياة البشر.
لماذا يعيش هذا العدد من الناس متكدسين داخل مبانٍ متعددة الطوابق في مدينة كبيرة؟
لماذا تتجمع الثروة والبشر داخل مساحة معرضة للخطر؟
الفكرة ليست أن روسو امتلك نظرية حديثة لإدارة الكوارث.
لكن السؤال مدهش في حد ذاته:
كم من «الكارثة الطبيعية» هو طبيعي فعلًا؟
الزلزال تصنعه الأرض.
لكن من يقرر أين نبني المدينة؟
الزلزال لا يقتل وحده
هذه الفكرة أصبحت أساسية في فهم المخاطر الحديثة.
الزلزال في منطقة غير مأهولة لا ينتج العدد نفسه من الضحايا الذي ينتجه في مدينة مكتظة ذات أبنية هشة.
الخطر الطبيعي شيء.
وقابلية المجتمع للتضرر شيء آخر.
في لشبونة كانت هناك كثافة سكانية.
ومبانٍ يمكن أن تنهار.
وشوارع ضيقة.
وحرائق.
وساحل معرض للتسونامي.
الطبيعة قدمت الهزة.
أما شكل المدينة فساعد على تحديد حجم المأساة.
وهنا يخرج الإنسان من دور الضحية الخالصة.
ليس لأنه تسبب بالزلزال.
بل لأنه يستطيع أن يغير بعض نتائجه.
هل كان الزلزال بداية العلم الحديث للكوارث؟
يقال أحيانًا إنه «ولد علم الزلازل» مباشرة.
هذه صياغة أكبر مما يسمح به التاريخ.
علم الزلازل الحديث تطور خلال مراحل طويلة لاحقة مع أجهزة القياس والنظريات الجيولوجية والتقدم في دراسة الموجات وباطن الأرض.
لكن زلزال 1755 كان محطة مهمة جدًا.
حفز جمع البيانات.
والنقاش العلمي.
ومقارنة التقارير من مناطق مختلفة.
والتفكير في أسباب الزلازل وتأثيراتها.
يمكن اعتباره من الأحداث التي ساعدت على نقل دراسة الكارثة من مجال الرواية والعقاب إلى مجال الملاحظة والتحليل.
لكنه لم يؤسس علمًا كاملًا في صباح واحد.
خسارة لا يمكن حسابها بالمال فقط
لم تنهَر المنازل وحدها.
تعرضت قصور وكنائس ومجموعات فنية ومكتبات ووثائق للدمار.
ضاعت أشياء لا يمكن إعادة إنتاجها.
حين تحترق مدينة تاريخية، لا نخسر الجدران فقط.
نخسر الذاكرة التي كانت مخزنة داخلها.
لوحة أصلية.
مخطوط.
أرشيف.
خريطة.
وثيقة عائلية.
أشياء قد لا يعرف الإنسان قيمتها إلا بعد أن تصبح رمادًا.
ولهذا فإن إعادة بناء لشبونة استطاعت أن تصنع مدينة جديدة.
لكنها لم تستطع إعادة المدينة القديمة كاملة.
الكارثة فرصة أيضًا؟
الكلمة قاسية.
لكنها تظهر في دراسة التاريخ الاقتصادي للزلزال.
الدمار فتح المجال لإصلاحات عمرانية واقتصادية وإدارية ما كان من السهل تنفيذها بالسرعة نفسها داخل مدينة قائمة.
أعيد تنظيم أجزاء من المركز.
وتغيرت أساليب البناء.
وتعزز تدخل الدولة.
لكن قول ذلك لا يعني أن الكارثة «شيء جيد».
يمكن أن ينتج عن المأساة إصلاح.
هذا لا يجعل المأساة مرغوبة.
الفرق مهم.
الإنسان لا يحتاج إلى حرق مدينته لكي يصبح تخطيطها أفضل.
لكنه إذا وجدها محترقة، يقرر ماذا يفعل بالرماد.
بومبال يبني المدينة ويبني سلطته
لم يكن ماركيز بومبال مهندسًا محايدًا يقف خارج السياسة.
إدارة الكارثة عززت موقعه داخل الدولة.
وخلال حكم جوزيه الأول ازدادت سلطته بشدة.
قاد إصلاحات في الإدارة والاقتصاد والتعليم.
ودخل في صراعات حادة مع قطاعات من النبلاء والكنيسة، خصوصًا اليسوعيين.
إذن إعادة بناء لشبونة كانت أيضًا جزءًا من إعادة تشكيل السلطة البرتغالية.
حين تتعرض العاصمة للدمار، يصبح من يملك خطة لإعادة بنائها أقوى من شخص يملك مجرد لقب.
الأزمات تعيد توزيع النفوذ.
هل أصبحت لشبونة مدينة آمنة؟
لا توجد مدينة آمنة تمامًا من الزلازل.
حتى الهندسة الحديثة تعمل على تقليل الخطر، لا إلغاء قوانين الأرض.
لكن إعادة البناء غيرت كثيرًا من بنية المركز.
وأصبح التفكير في مقاومة الاهتزاز جزءًا من عملية التصميم.
المفارقة أن المدينة الحديثة التي خرجت من الكارثة أصبحت نفسها وثيقة تاريخية عن الكارثة.
يمكن أن تسير اليوم في بايشا البومبالية، فتبدو الشوارع مجرد جزء جميل من لشبونة.
لكن استقامتها ونظامها يحملان ذاكرة يوم كانت فيه الشوارع القديمة تحت الركام.
المدينة نفسها أصبحت نصبًا تذكاريًا من دون أن تكون مقبرة.
علم الخطر يولد من الذاكرة
لكل كارثة مشكلة واحدة:
الجيل الذي عاشها يخافها.
الجيل التالي يتذكرها.
والجيل الذي يأتي بعده يبدأ في نسيانها.
ثم تصبح الأرض الرخيصة قرب الساحل جذابة مرة أخرى.
ويصبح المبنى القديم «لم يسقط منذ مئة عام».
ويتحول الخطر من واقع إلى قصة.
هذا هو التحدي الذي يجعل دراسة زلزال 1755 مهمة حتى اليوم.
الطبيعة لا تحتاج إلى أن نتذكر.
نحن الذين نحتاج.
لماذا بقيت لشبونة رمزًا؟
لأن الكارثة ضربت أشياء كثيرة في اللحظة نفسها.
الثقة بالمدينة.
الثقة بالبناء.
الثقة بالشرح الديني البسيط.
والثقة بفكرة أن الحضارة الأوروبية المتقدمة تقف خارج رحمة الطبيعة.
كان القرن الثامن عشر يؤمن بقوة العقل بدرجات مختلفة.
ثم جاءت الأرض لتقول:
العقل لا يمنع الاهتزاز.
لكن الرد الذي جاء لاحقًا كان أكثر إثارة:
صحيح.
لكن العقل يستطيع أن يدرس الاهتزاز.
ويقيس آثاره.
ويعيد تصميم المدينة.
ويضع قواعد للبناء.
أي أن الإنسان لم ينتصر على الطبيعة.
لكنه غيّر طريقة مواجهتها.
من العقاب إلى السبب
ربما هذا هو التحول الأعمق.
السؤال القديم:
من أغضب السماء؟
السؤال الجديد:
ماذا حدث تحت الأرض؟
الأول يبحث عن ذنب.
والثاني يبحث عن آلية.
لكن التاريخ لم يتحول فجأة من الدين إلى العلم في نوفمبر 1755.
استمرت التفسيرات الدينية.
واستمرت المواعظ.
وظل الإيمان قويًا.
وفي الوقت نفسه تطورت التفسيرات الطبيعية.
عاش الاثنان جنبًا إلى جنب.
التحولات الفكرية الحقيقية لا تحدث عادة عندما يموت تفسير في يوم ويولد آخر مكانه.
تبدأ عندما يصبح التفسير القديم غير قادر على احتكار السؤال.
كانط والزلازل
اهتم إيمانويل كانط الشاب بكارثة لشبونة وكتب عدة نصوص يحاول فيها فهم الزلازل طبيعيًا.
نظرياته الجيولوجية لم تكن صحيحة بالمعايير الحديثة.
لم يكن يعرف تكتونية الصفائح.
لكن هذا لا يقلل من دلالة المحاولة.
الفيلسوف الذي سيشتهر لاحقًا بأسئلة العقل والأخلاق والمعرفة بدأ هنا أيضًا من الأرض.
بدل أن يسأل:
ما الخطيئة التي فعلتها لشبونة؟
حاول أن يسأل:
ما العمليات الطبيعية التي يمكن أن تجعل الأرض تهتز؟
قد يخطئ العلم في الإجابة.
لكن نوع السؤال نفسه يمثل تحولًا.
فولتير وروسو: الكارثة نفسها، عالمان مختلفان
نظر فولتير إلى الضحايا فرأى تحديًا للتفاؤل الفلسفي السهل.
ونظر روسو إلى المدينة فرأى دور التنظيم البشري في تحويل الظاهرة الطبيعية إلى كارثة اجتماعية.
كلاهما شاهد الشيء نفسه من زاوية مختلفة.
الأول يسأل:
كيف يمكن أن يكون هذا جزءًا من أفضل عالم ممكن؟
والثاني يسأل:
كم من الضرر صنعته طريقة عيشنا نحن؟
ومن هذا الخلاف خرج درس يبقى معنا:
الكارثة تستطيع أن تكون سؤالًا عن الكون.
وسؤالًا عن المجتمع في الوقت نفسه.
لماذا نبني حيث قد يعود البحر؟
لأن المدن لا تختار أماكنها وفق الخطر وحده.
الميناء يحتاج إلى البحر.
التجارة تحتاج إلى الميناء.
الناس يحتاجون إلى الوظائف.
والثروة تجذب مزيدًا من الناس.
كل فائدة تصنع تعرضًا جديدًا.
إذا ترك البشر كل ساحل يمكن أن يضربه تسونامي، وكل نهر يمكن أن يفيض، وكل منطقة يمكن أن تهتز، فستصبح خريطة الاستيطان مختلفة جذريًا.
لهذا فإن التحدي الحقيقي ليس:
كيف نعيش بلا خطر؟
بل:
كيف نعيش مع خطر نفهمه ولا نستطيع إلغاءه؟
لشبونة سألت هذا السؤال بالحجر.
إعادة البناء ليست إعادة الماضي
بعد الكارثة لم تعد بايشا كما كانت.
وهذا قد يبدو واضحًا.
لكن وراءه فكرة أعمق.
هناك مدن تحاول بعد الحرب أو الزلزال أن تعيد بناء شكلها القديم كما لو أن الهدف استعادة الدقيقة السابقة للكارثة.
أما لشبونة فقد حملت في قلبها خيارًا آخر:
يمكن للمدينة أن تستمر من خلال التغير.
الاستمرارية لا تعني النسخ.
المدينة الجديدة تقول:
نحن المكان نفسه.
لكننا تعلمنا شيئًا.
المفارقة
كان زلزال لشبونة دليلًا على عجز الإنسان أمام الأرض.
وفي الوقت نفسه أصبح أحد الأحداث التي دفعت الإنسان إلى دراسة الأرض بطريقة أكثر تنظيمًا.
هدم المدينة.
فأنتج تخطيطًا حضريًا جديدًا.
كشف هشاشة المباني.
فشجع تقنيات بناء أكثر وعيًا بالزلازل.
فتح أسئلة دينية مرعبة.
فأصبح مادة للفلسفة.
قتل أناسًا لم يكونوا يطلبون درسًا من التاريخ.
ثم تعلم التاريخ منهم.
هذه هي المفارقة القاسية للكوارث:
المعرفة التي تنقذ الأجيال القادمة كثيرًا ما تدفع ثمنها أجساد جيل لم يكن يعرف ما الذي سيحدث.
حين اهتزّ يقين الإنسان
ربما لم يكن أكثر ما دمره زلزال لشبونة مبنى.
بل فكرة.
فكرة أن الإنسان يستطيع دائمًا تفسير ما يحدث بسرعة.
قال بعضهم:
العقاب.
وقال آخرون:
العناية الإلهية.
وقال فولتير:
كيف نتحدث عن أفضل عالم أمام هذا الألم؟
وقال روسو:
اسألوا أيضًا لماذا بنينا حياتنا بهذه الطريقة.
وقال الباحثون:
اجمعوا التقارير.
راقبوا المياه.
قارنوا الأماكن.
وابحثوا عن سبب في الطبيعة.
أما بومبال ورجال إعادة البناء فقالوا بطريقة أكثر عملية:
إذا كانت الأرض ستتحرك مرة أخرى، فعلينا ألا نبني كما كنا نبني من قبل.
وهكذا تغير السؤال.
لم يعد:
كيف نمنع الأرض من أن تكون أرضًا؟
بل:
كيف يصبح الإنسان أقل هشاشة عندما تتحرك؟
هذه لحظة مهمة في تاريخ العقل.
فالإنسان لم يصبح سيد الطبيعة بعد لشبونة.
ولا أصبح كذلك حتى اليوم.
لكن شيئًا تغير في علاقته بالخطر.
يمكن أن يخاف.
ويحزن.
ويصلي.
ويتساءل.
ثم، بعد ذلك كله، يخرج المسطرة.
ويقيس الشارع.
ويرسم المبنى التالي.
في الأول من نوفمبر 1755 سقطت أجزاء من لشبونة.
لكن المدينة التي قامت فوق الركام حملت فكرة جديدة:
لا نستطيع أن نطلب من الطبيعة وعدًا بألا تضربنا مرة أخرى.
يمكننا فقط أن نتعلم كيف نبني ونحن نعرف أنها قد تفعل.
المصادر والمراجع
– Arquivo Municipal de Lisboa — الوثائق والشهادات التاريخية المتعلقة بزلزال لشبونة سنة 1755 وإعادة الإعمار.
– Câmara Municipal de Lisboa — الدراسات التاريخية والأثرية عن كارثة 1755 وبايشا البومبالية.
– Jean-Paul Poirier — The 1755 Lisbon Disaster: The Earthquake that Shook Europe.
– A. Ribeiro وL. Mendes-Victor وJ. Cabral وL. Matias وP. Terrinha — The 1755 Lisbon Earthquake and the Beginning of Closure of the Atlantic.
– Álvaro S. Pereira — The Opportunity of a Disaster: The Economic Impact of the 1755 Lisbon Earthquake.
– Voltaire — Poème sur le désastre de Lisbonne.
– Voltaire — Candide.
– Jean-Jacques Rousseau — Lettre sur la Providence.
– Immanuel Kant — On the Causes of Earthquakes، ومقالاته عن زلزال 1755.
– The Cambridge History and Philosophy of Earthquakes — الدراسات المتعلقة بزلزال لشبونة وتطور فهم الظواهر الزلزالية.

