ثورات الربيع العربي

    ثورات الربيع العربي — حين فتحت الشوارع بابًا ولم تعرف ما وراءه

في 17 ديسمبر 2010 لم يكن محمد البوعزيزي يقف أمام قصر رئاسي.
لم يكن قائد حزب.
ولا جنرالًا.
ولا رجلًا يملك قناة تلفزيونية.
كان بائعًا متجولًا في مدينة سيدي بوزيد التونسية.
دخل في نزاع مع السلطات المحلية بعد مصادرة بضاعته أو معداته، وتعرض للإهانة بحسب الروايات التي انتشرت لاحقًا.
ثم أشعل النار في جسده أمام مقر حكومي.
لم يكن أول عربي يعاني البطالة.
ولا أول مواطن يهينه موظف.
ولا أول شاب يشعر أن الدولة أقوى من قدرته على الاعتراض.
لكن موته تحوّل إلى شيء لم يتوقعه أحد.
خرج الناس.
ثم خرج المزيد.
سقط زين العابدين بن علي.
وبعد أسابيع امتلأ ميدان التحرير في القاهرة.
ثم بنغازي.
وصنعاء.
والمنامة.
ودرعا.
وفي أشهر قليلة بدت المنطقة العربية كأنها اكتشفت فجأة أن الأنظمة التي بدت ثابتة لعقود يمكن أن تهتز.
أطلق الإعلام على الموجة اسم:
الربيع العربي.
لكن الربيع لم يصل إلى كل بلد بالطريقة نفسها.
في تونس أسقط رئيسًا وفتح عملية سياسية تنافسية قبل أن تتغير قواعد النظام مرة أخرى بعد سنوات.
في مصر سقط حسني مبارك، وجاءت انتخابات ورئيس جديد، ثم أطاح الجيش بالرئيس بعد احتجاجات جماهيرية واسعة.
في ليبيا تحولت الثورة إلى حرب وتدخل عسكري دولي، ثم سقط القذافي ودخل البلد سنوات من الانقسام.
في اليمن انتهى حكم علي عبد الله صالح باتفاق، لكن الدولة دخلت لاحقًا حربًا أكبر.
في سوريا بدأت المظاهرات بشعارات الإصلاح ثم تحولت إلى حرب مدمرة استمرت أكثر من عقد، قبل سقوط نظام بشار الأسد في نهاية 2024.
وفي البحرين بقي النظام، وانتهت موجة الاحتجاج الكبرى بالقوة والإجراءات الأمنية والحوار والإصلاحات الجزئية المتنازع على كفايتها.
لم تكن هناك ثورة عربية واحدة.
كانت هناك لحظة مشتركة…
ثم طرق مختلفة تمامًا.
قبل البوعزيزي
من السهل أن نقول إن رجلًا أحرق نفسه فاشتعل العالم العربي.
لكن المجتمعات لا تنفجر بسبب حادثة واحدة إذا لم يكن خلفها شيء ينتظر الشرارة.
خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين كان عدد كبير من الدول العربية يحمل تناقضًا واضحًا.
جامعات تنتج أعدادًا متزايدة من الخريجين.
واقتصادات لا تنتج وظائف كافية لهم.
مدن تتوسع.
وسكان شباب.
ووسائل اتصال جديدة.
وفي المقابل أنظمة سياسية ضيقة المشاركة.
وبيروقراطية ثقيلة.
ومحسوبية.
وفساد أو تصورات واسعة عن الفساد.
وإحساس بأن العلاقات والواسطة تستطيع أن تكون أهم من الكفاءة.
كانت الأرقام الاقتصادية الرسمية أحيانًا أفضل مما يوحي به الغضب في الشارع.
لكن المواطن لا يعيش داخل معدل نمو الناتج المحلي.
يعيش داخل السؤال:
هل أستطيع العثور على وظيفة؟
العقد الاجتماعي القديم
بنت دول عربية عديدة بعد الاستقلال صيغة ضمنية.
الدولة تقدم التعليم.
والوظائف الحكومية.
والدعم على الغذاء والطاقة.
وبعض الخدمات الاجتماعية.
وفي المقابل يبقى المجال السياسي شديد السيطرة.
نجحت الصيغة لفترات.
اتسع التعليم.
وانخفضت الأمية.
وكبر القطاع العام.
لكن السكان ازدادوا.
وأصبحت الحكومات أقل قدرة على توظيف كل خريج.
تراجع الوعد القديم:
ادرس، تحصل على وظيفة.
ظهر جيل متعلم بدرجة أعلى من آبائه…
لكنه غير قادر بالضرورة على بناء حياة مستقلة.
لم يكن الفقر وحده المشكلة.
كان الفرق بين التوقع والواقع.
الكرامة
كلمة واحدة تكررت في كثير من الاحتجاجات:
الكرامة.
هذه الكلمة مهمة لأنها تشرح لماذا لا يكفي الاقتصاد وحده لفهم ما حدث.
قد يتحمل الإنسان دخلًا منخفضًا.
لكن الإهانة اليومية شيء آخر.
شرطي يستطيع توقيفك.
موظف يستطيع تعطيل معاملتك.
مسؤول لا يحتاج إلى تفسير قراره.
انتخابات لا تغير السلطة فعليًا في كثير من الحالات.
وإعلام رسمي يقول إن كل شيء على ما يرام.
عندما أحرق البوعزيزي نفسه، رأى كثيرون في قصته شيئًا يعرفونه.
ربما لم يكونوا باعة متجولين.
لكنهم عرفوا معنى أن يشعر الإنسان بأنه لا يملك طريقة طبيعية للاعتراض.
الطعام أيضًا كان جزءًا من الصورة
شهد العالم في السنوات التي سبقت الانتفاضات ارتفاعات مهمة في أسعار الغذاء.
والمنطقة العربية تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الحبوب.
كان ارتفاع الأسعار يضغط خصوصًا على الأسر محدودة الدخل.
لكن القول إن «ارتفاع سعر الخبز صنع الربيع العربي» تبسيط أيضًا.
فالأسعار ارتفعت في دول لم تقع فيها ثورات.
والثورات حدثت في دول تختلف اقتصاديًا بصورة كبيرة.
الغذاء كان ضغطًا إضافيًا فوق البطالة والمحسوبية والسياسة المغلقة.
الأزمات الكبيرة نادرًا ما تمتلك سببًا وحيدًا جميلًا بما يكفي ليصبح عنوان كتاب.
الإنترنت
ثم جاء الهاتف.
وفيسبوك.
ويوتيوب.
وتويتر.
انتشرت صور الشرطة.
ومقاطع الاحتجاج.
والشعارات.
وأصبح من الصعب على الدولة احتكار رواية ما يحدث في الشارع.
ساعدت شبكات التواصل في التنسيق ونشر المعلومات وربط مجموعات لم تكن تملك مؤسسات سياسية تقليدية قوية.
لكن عبارة «ثورات فيسبوك» غير كافية.
فالإنترنت لا يخرج وحده إلى الشارع.
ولا يواجه الشرطة.
كما أن ملايين الأشخاص في دول أخرى كانوا يستخدمون الشبكات نفسها ولم تحدث فيها ثورة.
التكنولوجيا سرعت انتقال الغضب.
لكنها لم تصنع أسبابه من الصفر.
تونس
بدأت المظاهرات في سيدي بوزيد بعد حادثة البوعزيزي.
ثم انتشرت.
المحامون.
والنقابيون.
والطلاب.
والعمال.
ومواطنون لا ينتمون إلى تنظيم سياسي محدد.
حاول النظام احتواء الموجة.
خطابات.
وتنازلات.
واستخدام للقوة.
لكن الاحتجاجات وصلت إلى العاصمة.
في 14 يناير 2011 غادر الرئيس زين العابدين بن علي تونس بعد نحو ثلاثة وعشرين عامًا في السلطة.
حدث ما بدا قبل أسابيع مستحيلًا.
رئيس عربي قوي يسقط بسبب احتجاجات شعبية واسعة.
الصورة خرجت من تونس أسرع من الطائرة التي حملت بن علي.
إذا حدث هناك…
لماذا لا يحدث هنا؟
تونس لم تنتهِ يوم رحيل بن علي
هذه نقطة ستتكرر في كل البلدان.
إسقاط الرئيس لا يحل سؤال الحكم.
من يدير الدولة صباح اليوم التالي؟
في تونس بقيت مؤسسات دولة قادرة على العمل نسبيًا.
كما امتلك المجتمع المدني تنظيمات قوية، بينها الاتحاد العام التونسي للشغل.
جرت انتخابات لمجلس تأسيسي في 2011.
دخلت حركة النهضة الإسلامية الحكومة ضمن ائتلاف.
وصعدت قوى علمانية ويسارية وليبرالية.
ظهر استقطاب وخلافات واغتيالات سياسية وأزمات.
لكن الأطراف استطاعت في مراحل حاسمة العودة إلى التفاوض.
الدستور
في 2014 أُقر دستور جديد بعد سنوات من النقاش.
وأجريت انتخابات تنافسية.
وفي 2015 حصل الرباعي الراعي للحوار الوطني على جائزة نوبل للسلام تقديرًا لدوره في تسهيل الانتقال السياسي.
لهذا اعتبرت تونس لسنوات الاستثناء الأكثر استقرارًا بين دول الانتفاضات.
لكن القصة لم تتوقف هناك.
استمرت مشكلات البطالة والنمو والتفاوت الإقليمي.
وبقي الشعور بأن الثورة غيرت السياسة أسرع مما غيرت الاقتصاد.
وهذا سيعود بقوة بعد عقد.
2021
في يوليو 2021 أعلن الرئيس قيس سعيّد تجميد عمل البرلمان، ثم حلّه لاحقًا واتخذ سلسلة إجراءات وسّعت سلطات الرئاسة.
قال سعيّد إن البلاد كانت تعاني فسادًا وتعطيلًا مؤسسيًا وإن إجراءاته ضرورية لإنقاذ الدولة.
أما خصومه فاعتبروها انقلابًا على المسار الديمقراطي.
في 2022 أُقر دستور جديد عزز صلاحيات الرئيس مقارنة بدستور 2014.
وفي 2024 فاز سعيّد بولاية ثانية في انتخابات شهدت مشاركة منخفضة ونزاعات حول البيئة السياسية والمرشحين.
هكذا أصبحت تونس نفسها دليلًا على أن الثورة ليست خطًا مستقيمًا من الاستبداد إلى الديمقراطية.
حتى البلد الذي بنى مؤسسات تنافسية بعد 2011 أعاد فتح سؤال توزيع السلطة بعد عشر سنوات.
مصر
إذا كانت تونس الشرارة، كانت مصر اللحظة التي جعلت العالم كله ينظر.
25 يناير 2011.
خرجت احتجاجات في القاهرة والإسكندرية والسويس ومدن أخرى.
كان اليوم في الأصل عيد الشرطة.
لكنه تحول إلى يوم احتجاج على الشرطة والفساد والوضع السياسي والاقتصادي.
بعد أيام أصبح ميدان التحرير رمزًا عالميًا.
ملايين شاهدوا خيام المعتصمين.
والشعارات.
والمواجهات.
ورجالًا ونساءً من خلفيات سياسية واجتماعية مختلفة يقفون في المساحة نفسها.
الإسلامي.
والليبرالي.
واليساري.
والمواطن الذي لا ينتمي إلى أي منهم.
جمعهم هدف مؤقت:
رحيل حسني مبارك.
11 فبراير
بعد ثمانية عشر يومًا من الاحتجاجات أعلن نائب الرئيس عمر سليمان تنحي مبارك.
انتقلت إدارة البلاد إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
احتفل المتظاهرون.
لكن مرة أخرى ظهر السؤال:
ماذا بعد؟
الجيش كان المؤسسة الأكثر تنظيمًا في اللحظة التي فقد فيها رأس النظام السلطة.
أدار المرحلة الانتقالية.
جرت استفتاءات وانتخابات برلمانية.
ثم انتخابات رئاسية.
ولأول مرة فاز مرشح من جماعة الإخوان المسلمين بالرئاسة:
محمد مرسي.
مرسي
انتُخب مرسي في يونيو 2012.
وصل إلى الرئاسة عبر انتخابات تنافسية بعد عقود من حكم لم تكن فيه الانتخابات الرئاسية وسيلة حقيقية لتداول السلطة بالشكل نفسه.
لكن حكمه واجه بسرعة أزمات سياسية واقتصادية حادة.
اتهمه خصومه وجماعة الإخوان بمحاولة السيطرة على مؤسسات الدولة وإضعاف القيود على السلطة.
وقالت الجماعة وحلفاؤها إن خصومها لم يقبلوا بنتيجة الانتخابات وإن أجهزة الدولة القديمة عرقلت الرئيس المنتخب.
تصاعد الاستقطاب.
لم يعد ميدان التحرير يضم الجبهة نفسها التي وقفت ضد مبارك.
الثورة التي جمعت المختلفين ضد رجل واحد كشفت بعد سقوطه مقدار اختلافهم على الدولة التي يريدونها.
30 يونيو
في 30 يونيو 2013 خرجت احتجاجات ضخمة ضد مرسي.
طالبت حركة تمرد ومعارضون بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة ورحيل الرئيس.
خرج في المقابل مؤيدون لمرسي للدفاع عن شرعيته الانتخابية.
في 3 يوليو أعلن الجيش، بقيادة وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، عزل مرسي وتعليق الدستور ووضع خريطة سياسية جديدة.
وُصف الحدث بطرق متناقضة.
خصوم الإخوان وأنصار التحرك رأوه استجابة لموجة شعبية ضخمة ومنعًا لأزمة أكبر.
أما الإخوان وخصوم السلطة الجديدة وكثير من الباحثين والحكومات الأجنبية فوصفوه انقلابًا عسكريًا على رئيس منتخب.
التسمية نفسها أصبحت جزءًا من الصراع.
رابعة
في أغسطس 2013 فضت قوات الأمن اعتصامي رابعة العدوية والنهضة لمؤيدي مرسي.
قُتل مئات الأشخاص في العملية وفق المصادر الحقوقية والدولية، مع اختلاف الأرقام الدقيقة.
قالت السلطات إن الاعتصامات احتوت مسلحين وإن قوات الأمن واجهت عنفًا خلال الفض.
وقالت منظمات حقوقية إن استخدام القوة كان مفرطًا وعلى نطاق واسع.
دخلت مصر مرحلة جديدة.
أُقرت تعديلات دستورية.
وانتُخب عبد الفتاح السيسي رئيسًا في 2014، وظل رئيس البلاد بعد انتخابات لاحقة.
بعد سنوات من ميدان التحرير، عادت الدولة إلى نظام رئاسي قوي مع دور مركزي للمؤسسات الأمنية والعسكرية.
هل فشلت الثورة المصرية؟
هذا السؤال يحمل حكمًا أكثر مما يحمل تفسيرًا.
إذا كان الهدف الوحيد هو إسقاط مبارك، فقد تحقق.
إذا كان الهدف بناء نظام مستقر يقوم على تداول واسع للسلطة السياسية، فإن المسار اتخذ اتجاهًا مختلفًا بعد 2013.
لكن الثورة غيرت المجتمع السياسي حتى لو لم تحقق كل أهداف المشاركين فيها.
كشفت حجم الغضب.
وكسرت فكرة أن الشارع لا يستطيع إسقاط رئيس.
ثم كشفت مشكلة أخرى:
الشارع يستطيع إسقاط سلطة أسرع مما يستطيع الاتفاق على سلطة بديلة.
ليبيا
في فبراير 2011 بدأت احتجاجات في بنغازي ومدن أخرى ضد حكم معمر القذافي الذي استمر منذ 1969.
تحولت المواجهة بسرعة إلى قتال مسلح.
انشقت وحدات ومسؤولون.
وسيطرت قوى معارضة على مناطق في الشرق.
رد النظام بالقوة.
وبخلاف تونس ومصر، لم تبقِ مؤسسات الدولة والجيش الأزمة داخل إطار انتقال سياسي نسبيًا.
أصبحت ثورة ثم حربًا أهلية.
التدخل الخارجي
في مارس 2011 أصدر مجلس الأمن القرار 1973 الذي سمح باتخاذ «كل التدابير اللازمة» لحماية المدنيين، مع استبعاد قوة احتلال أجنبية، وفرض منطقة حظر جوي.
بدأ تدخل دولي قادته لاحقًا قوات حلف شمال الأطلسي.
قالت الدول المتدخلة إن الهدف حماية المدنيين من قوات القذافي.
لكن روسيا ودولًا ومنتقدين آخرين قالوا لاحقًا إن التدخل تجاوز حماية المدنيين عمليًا إلى مساعدة قوات المعارضة على تغيير النظام.
هذه القضية ستصبح جزءًا من إرث ليبيا الدولي.
هل حمى التدخل مدنيين من هجوم محتمل؟
أم ساهم في إسقاط النظام من دون وجود خطة كافية لليوم التالي؟
الجدل ما يزال قائمًا.
موت القذافي
تقدمت قوات المجلس الوطني الانتقالي.
سقطت طرابلس.
وفي 20 أكتوبر 2011 أُسر القذافي قرب سرت وقُتل في ظروف عنيفة بعد أسره، وأثارت وفاته أسئلة حقوقية بشأن ما حدث في لحظاته الأخيرة.
أعلن المجلس الانتقالي تحرير ليبيا.
انتهى حكم دام اثنين وأربعين عامًا.
لكن سقوط القذافي أظهر مشكلة النظام الذي يدور طويلًا حول شخص واحد.
عندما يذهب الشخص…
كم بقي من الدولة القادرة على إدارة السلاح والمؤسسات والمنافسة السياسية؟
السلاح
خرجت من حرب 2011 جماعات مسلحة محلية كثيرة.
بعضها قاتل القذافي.
لكن انتهاء العدو المشترك لم يجعلها جيشًا وطنيًا واحدًا.
احتفظت جماعات بسلاحها ونفوذها ومناطقها.
جرت انتخابات.
وتشكلت مؤسسات انتقالية.
لكن الخلاف السياسي والأمني استمر.
وفي 2014 دخلت ليبيا مرحلة انقسام أعمق بين سلطات ومؤسسات متنافسة في الشرق والغرب.
تدخلت دول خارجية مختلفة لدعم أطراف متباينة.
وأصبحت ليبيا مثالًا صارخًا على أن فراغ القوة بعد الثورة يستطيع أن يكون أخطر من النظام الذي أسقطته الثورة إذا لم تظهر مؤسسات قادرة على احتكار السلاح.
ليبيا في 2026
بعد أكثر من خمسة عشر عامًا على انتفاضة 2011، ما تزال الانتخابات الوطنية التي يُفترض أن توحد المؤسسات مؤجلة.
ولا تزال البلاد تعاني انقسامًا سياسيًا ومؤسسات أمنية ومسلحة متعددة.
هذا لا يعني أن ليبيا لم تتغير.
هناك مجتمع سياسي جديد.
وإعلام.
وانتخابات محلية في فترات.
ومؤسسات مختلفة.
لكن الدولة الموحدة المستقرة التي توقعها كثيرون بعد سقوط القذافي لم تتشكل حتى الآن بالصورة التي حُلم بها في 2011.
الثورة أزالت النظام القديم.
أما بناء النظام الجديد فما يزال عملية غير مكتملة.
اليمن
في يناير 2011 بدأت احتجاجات واسعة ضد الرئيس علي عبد الله صالح.
كان صالح يحكم شمال اليمن منذ 1978 ثم اليمن الموحد منذ 1990.
كانت البلاد تعاني أصلًا مشكلات عميقة.
اقتصاد ضعيف.
بطالة.
مياه شحيحة.
حركة انفصالية في الجنوب.
حروب سابقة مع الحوثيين في الشمال.
ونشاط تنظيم القاعدة.
دخل الربيع العربي إلى بلد يحمل أزمات متعددة قبل أن تبدأ الثورة.
ساحة التغيير
تجمع المحتجون في صنعاء ومدن أخرى.
طلاب.
وشباب.
وأحزاب معارضة.
وقبائل.
ثم انشق مسؤولون وقادة عسكريون.
في 18 مارس 2011 قُتل عشرات المتظاهرين في صنعاء في يوم عرف بجمعة الكرامة.
تسارعت الانشقاقات بعده.
لم تعد الأزمة احتجاجًا مدنيًا فقط.
دخلت مراكز القوة التقليدية اليمنية في الصراع.
قبائل.
وقادة عسكريون.
وأحزاب.
وأجهزة دولة.
كل طرف يريد التغيير…
لكن ليس بالضرورة التغيير نفسه.
اتفاق لا ثورة مكتملة
بعد أشهر من الأزمة ووساطة خليجية ودولية، وقّع صالح في نوفمبر 2011 اتفاق نقل السلطة.
انتقلت صلاحياته إلى نائبه عبد ربه منصور هادي.
وفي فبراير 2012 أُجريت انتخابات رئاسية كان هادي مرشحها الوحيد التوافقي.
بدأ مؤتمر حوار وطني واسع.
شارك فيه شباب ونساء وأحزاب والحوثيون والحراك الجنوبي وقوى أخرى.
بدت اليمن في تلك اللحظة كأنها وجدت طريقًا أقل دموية من ليبيا وسوريا.
لكن الاتفاق أخرج صالح من الرئاسة.
ولم يخرج شبكات القوة التي صنعها طوال عقود من الدولة والمجتمع.
الدولة القديمة بقيت داخل الانتقال
احتفظ صالح بنفوذ سياسي وعسكري.
وبقيت مؤسسات الجيش منقسمة.
أما الحوثيون، الذين شاركوا في الحوار، فوسعوا نفوذهم العسكري.
في 2014 دخل الحوثيون صنعاء وسيطروا على مؤسسات الدولة بدرجات متزايدة، مستفيدين كذلك من تحالف مع قوات مرتبطة بصالح رغم تاريخ الحرب بين الطرفين.
هنا ظهرت واحدة من أكبر مفارقات اليمن.
الرئيس الذي حارب الحوثيين سنوات تعاونت شبكاته معهم لاحقًا ضد النظام الذي خلفه.
السياسة لا تحتفظ دائمًا بأعدائها.
2015
هرب الرئيس هادي إلى عدن ثم إلى السعودية.
في مارس 2015 تدخل تحالف تقوده السعودية عسكريًا لدعم الحكومة المعترف بها دوليًا ضد الحوثيين.
دخل اليمن حربًا واسعة.
غارات جوية.
وصواريخ.
ومعارك برية.
وانقسامات جنوبية.
وتدخلات إقليمية.
وأزمة إنسانية هائلة.
الانتفاضة التي بدأت ضد بقاء رجل واحد في الحكم انتهت، بعد سنوات قليلة، بصراع أكبر بكثير من ذلك الرجل.
لم يكن الربيع العربي سبب كل مشكلات اليمن.
لكنه فتح نظامًا كان يغطي مشكلات أقدم، ثم لم تستطع عملية الانتقال احتواءها.
اليمن في 2026
منذ هدنة الأمم المتحدة في 2022 انخفضت شدة القتال الواسع مقارنة بسنوات الحرب السابقة، رغم انتهاء الهدنة الرسمية وعدم الوصول إلى تسوية نهائية.
تواصل الأمم المتحدة في 2026 محاولاتها لإطلاق عملية سياسية شاملة.
وما تزال البلاد منقسمة بين مراكز سلطة مختلفة، مع أزمة اقتصادية وإنسانية كبيرة ومخاطر تصعيد مرتبطة بالتوترات الإقليمية.
بعد خمسة عشر عامًا من احتجاجات «ارحل»، السؤال لم يعد فقط:
من الرئيس؟
بل:
هل يمكن إعادة بناء دولة واحدة؟
البحرين
في 14 فبراير 2011 بدأت احتجاجات في البحرين.
تجمع متظاهرون في دوار اللؤلؤة في المنامة.
ركزت مطالب عديدة على إصلاحات سياسية أوسع، ومجلس نيابي أقوى، وعدالة في التمثيل والوظائف وإنهاء التمييز الذي قالت المعارضة إن المواطنين الشيعة يتعرضون له.
قالت الحكومة إن الأزمة تضمنت تهديدًا للأمن وانقسامًا طائفيًا وتدخلًا أو تأثيرًا إقليميًا يجب مواجهته.
وسرعان ما أصبحت الأزمة اختبارًا شديد الحساسية في الخليج.
دوار اللؤلؤة
استخدمت قوات الأمن القوة لإخلاء المعتصمين في فبراير.
ثم عاد المحتجون.
وفي مارس دخلت قوات من «درع الجزيرة» التابعة لمجلس التعاون الخليجي إلى البحرين بطلب من الحكومة.
فرضت حالة السلامة الوطنية.
وأُزيل الاعتصام.
واعتُقل معارضون ونشطاء.
وأصبح دوار اللؤلؤة نفسه رمزًا للحركة.
ثم هُدم النصب الذي كان في وسطه.
كأن الصراع على المكان أصبح صراعًا على الذاكرة أيضًا.
لجنة تقر بما حدث
أنشأ الملك حمد بن عيسى آل خليفة لجنة مستقلة للتحقيق في أحداث 2011 برئاسة القانوني محمود شريف بسيوني.
كانت خطوة غير معتادة في المنطقة.
خلص تقرير اللجنة إلى وقوع حالات استخدام مفرط للقوة والتعذيب وسوء المعاملة وانتهاكات أخرى من جانب أجهزة الدولة، كما وثق أعمال عنف من بعض المتظاهرين.
قبلت الحكومة رسميًا عددًا من توصيات التقرير وأعلنت إصلاحات.
أما المعارضة ومنظمات حقوقية فاعتبرت أن التنفيذ لم يعالج جذور الأزمة بالقدر الكافي.
بقي النظام.
وتغيرت البيئة السياسية والأمنية.
الربيع هنا لم يسقط رأس الدولة.
لكنه ترك ملفًا لم يختفِ.
سوريا
بدأت القصة السورية بطريقة تبدو صغيرة مقارنة بما سيأتي.
في مارس 2011 خرجت احتجاجات في درعا بعد اعتقال فتيان كتبوا شعارات مناهضة للنظام على الجدران، وفق روايات موثقة على نطاق واسع، وبعد تعامل أمني قاسٍ أثار غضب السكان.
خرج الناس يطالبون بالإفراج عن المعتقلين والإصلاح.
قُتل متظاهرون.
كبرت الجنازات.
وكبرت معها الاحتجاجات.
انتقلت المظاهرات إلى مدن أخرى.
ظهرت شعارات تطالب بإصلاح النظام.
ثم تحولت إلى المطالبة بإسقاطه.
لماذا انفجرت سوريا؟
كانت سوريا مختلفة عن تونس ومصر في بنية الدولة والأمن والمجتمع والتحالفات الخارجية.
حكم حزب البعث منذ 1963.
وحكم حافظ الأسد منذ 1970 ثم ابنه بشار منذ 2000.
امتلك النظام أجهزة أمنية متعددة وجيشًا قويًا وشبكات مصالح.
كما أن المجتمع السوري متنوع دينيًا وعرقيًا بصورة كبيرة.
منذ البداية حذرت الحكومة من خطر التطرف المسلح والانقسام الطائفي والتدخل الخارجي.
أما المحتجون فركزوا على القمع والفساد وغياب الحريات.
مع تصاعد العنف بدأت الانشقاقات العسكرية.
وظهر الجيش السوري الحر وجماعات مسلحة متعددة.
اختفت الحدود بين الانتفاضة المدنية والحرب تدريجيًا.
الحرب التي دخل إليها الجميع
لم تبقَ سوريا حربًا بين النظام ومعارضيه فقط.
دخل حزب الله وإيران لدعم الحكومة.
وتدخلت روسيا عسكريًا بصورة مباشرة منذ 2015 دعمًا لنظام الأسد.
دعمت تركيا ودول عربية وغربية فصائل مختلفة بدرجات متفاوتة وفي مراحل مختلفة.
ظهرت تنظيمات جهادية.
وصعد تنظيم الدولة الإسلامية وسيطر على مساحات واسعة في سوريا والعراق قبل أن يخسرها لاحقًا.
وأقامت قوات كردية بقيادة وحدات حماية الشعب، ثم قوات سوريا الديمقراطية، سيطرة على مناطق واسعة في الشمال الشرقي بدعم أمريكي ضد تنظيم الدولة.
داخل سنوات قليلة أصبحت الثورة السورية حربًا أهلية وإقليمية ودولية في الوقت نفسه.
اللاجئون
قُتل مئات الآلاف خلال الحرب وفق تقديرات مختلفة.
وشُرد أكثر من نصف سكان سوريا بين نازحين داخل البلاد ولاجئين خارجها في مراحل من الصراع.
تركيا.
ولبنان.
والأردن.
وألمانيا.
ودول أخرى.
ظهرت أكبر أزمة نزوح في المنطقة منذ عقود.
أصبحت المدينة السورية موجودة خارج سوريا أيضًا.
حي في إسطنبول.
ومدرسة في عمّان.
ومخيم في لبنان.
وعائلة في برلين.
الانتفاضة التي بدأت بطلب الكرامة والإصلاح انتهت لملايين الأشخاص بسؤال أكثر بساطة:
أين سننام؟
الأسد بقي… حتى لم يبقَ
لسنوات بدا أن نتيجة الحرب حُسمت عسكريًا لصالح حكومة بشار الأسد بعد الدعم الروسي والإيراني واستعادة معظم المدن الكبرى.
استعاد النظام حلب الشرقية.
ومناطق واسعة حول دمشق.
ودرعا ضمن تسويات.
وبدأ بعض الدول العربية يعيد علاقاته مع دمشق.
بدا أن انتفاضة 2011 انتهت عمليًا ببقاء الأسد.
ثم في أواخر نوفمبر 2024 شنت فصائل معارضة هجومًا سريعًا.
انهارت خطوط الجيش بوتيرة لم يتوقعها معظم المراقبين.
سقطت حلب.
ثم حماة.
ثم حمص.
وفي 8 ديسمبر دخلت قوات المعارضة دمشق وسقطت حكومة بشار الأسد.
بعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا من بداية الاحتجاجات، انتهى الحكم الذي خرج المتظاهرون ضده.
لكن سوريا لم تستيقظ في اليوم التالي وقد حُلت كل مشكلاتها.
بعد الأسد
دخلت سوريا مرحلة انتقالية تقودها سلطات جديدة ظهرت من القوى التي سيطرت على دمشق.
أصبحت الأسئلة مختلفة.
كيف تدمج الجماعات المسلحة؟
كيف تكتب دستورًا؟
ما موقع الأقليات؟
كيف تُبنى مؤسسة عسكرية وطنية؟
كيف تُحاسب جرائم الماضي من دون فتح دورة انتقام؟
ماذا يحدث للقوات الكردية في الشمال الشرقي؟
وماذا عن التدخلات الخارجية؟
كيف يعود ملايين اللاجئين إلى بلد دُمرت أجزاء واسعة من بنيته الاقتصادية والعمرانية؟
بحلول 2026 أصبح واضحًا أن سقوط النظام أنهى مرحلة تاريخية.
لكنه لم يمنح تلقائيًا الإجابة عن شكل الدولة التالية.
لماذا سقط بعض الرؤساء وبقي آخرون؟
هذا أحد أهم أسئلة الربيع العربي.
الجواب ليس شجاعة المتظاهرين.
فالناس واجهوا القمع في كل هذه البلدان.
الفرق كان في المؤسسات.
في تونس تخلى الجيش عن الدخول في مواجهة واسعة لحماية بن علي في اللحظة الحاسمة.
في مصر دفع الجيش مبارك إلى الخروج ثم أصبح هو نفسه مركز المرحلة الانتقالية.
في ليبيا انقسمت الدولة وتحولت الانتفاضة إلى حرب مع تدخل خارجي.
في البحرين بقي الجهاز الأمني متماسكًا وحصلت الحكومة على دعم خليجي مباشر.
في سوريا بقيت أجزاء أساسية من أجهزة الدولة والجيش إلى جانب النظام سنوات طويلة، وحصل النظام على دعم خارجي قوي.
في اليمن انقسم الجيش والنخب والقبائل قبل أن يتفكك الانتقال لاحقًا.
الشوارع تستطيع الضغط.
لكن نتيجة الضغط تتوقف كذلك على ما يحدث داخل القصر والثكنة والوزارة.
الجيش
ربما كان موقع الجيش واحدًا من أكثر الفروق أهمية.
إذا قال الجيش للرئيس:
لن نقاتل الشعب من أجلك،
يتغير ميزان القوة.
إذا انقسم الجيش، تبدأ الحرب.
إذا بقي متماسكًا وقرر حماية النظام، تصبح كلفة الثورة أعلى بكثير.
لكن الجيوش نفسها ليست مؤسسات متطابقة.
في مصر امتلك الجيش تاريخًا ومصالح اقتصادية ومؤسساتية خاصة.
في تونس كان دوره السياسي أقل اتساعًا.
في ليبيا بنى القذافي أجهزة مسلحة متوازية خوفًا من الانقلاب.
وفي اليمن كانت الوحدات العسكرية مرتبطة بمراكز عائلية وسياسية متنافسة.
كلمة واحدة:
«الجيش».
لكن وراءها أنظمة مختلفة تمامًا.
النفط
الثروة النفطية أثرت أيضًا.
دول خليجية استطاعت استخدام الإنفاق العام وزيادة الرواتب والمساعدات والإسكان ضمن استجاباتها للاضطرابات.
لكن النفط لم يمنع الثورة في ليبيا.
إذن المال يغير قدرة الدولة على امتصاص الغضب.
ولا يضمن النتيجة وحده.
ليبيا تملك النفط.
لكنها افتقدت مؤسسات مستقرة خارج نظام القذافي.
بعض الدول امتلك المال والمؤسسة والتحالف الخارجي.
وهذا مزيج أقوى بكثير من المال وحده.
الملكيات
شهدت المغرب والأردن وعُمان ودول أخرى احتجاجات متفاوتة من دون سقوط النظام السياسي.
في المغرب أعلن الملك محمد السادس إصلاحات دستورية، وأُقر دستور جديد سنة 2011، وأجريت انتخابات جاءت بحزب العدالة والتنمية إلى رئاسة الحكومة ضمن النظام الملكي القائم.
وفي الأردن أُجريت تعديلات حكومية ودستورية وقانونية متعددة على امتداد المرحلة، مع استمرار الملكية.
وفي عُمان قدم السلطان قابوس إجراءات اقتصادية وتغييرات وزارية وتوسيعًا لبعض صلاحيات مجلس الشورى.
لم تختفِ المطالب السياسية والاجتماعية.
لكن الأنظمة الملكية في هذه الحالات استطاعت تعديل الحكومة أو القواعد من دون تحويل بقاء الملك نفسه إلى السؤال الوحيد في الشارع.
هذه مرونة لم تكن متاحة بسهولة لرئيس جمهوري يحكم منذ عقود ويقدم نفسه مركز النظام كله.
هل كان الربيع مؤامرة خارجية؟
دخلت دول خارجية في الأحداث بلا شك.
تدخل الناتو في ليبيا.
ودعمت دول أطرافًا مختلفة في سوريا.
ولعبت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا وإيران وتركيا ودول الخليج أدوارًا متفاوتة.
لكن تفسير بداية الاحتجاجات نفسها على أنها مشروع خارجي واحد يتجاهل الأدلة على الغضب المحلي السابق لها.
البطالة والفساد والقمع لم تصنعها شبكات التواصل الأجنبية في ديسمبر 2010.
وفي المقابل، القول إن الثورات بقيت حركات داخلية نقية طوال مسارها يتجاهل أن التدخل الخارجي أصبح حاسمًا في دول مثل ليبيا وسوريا واليمن.
بدأت الانتفاضات محلية بدرجة كبيرة.
ثم دخلت عليها حسابات العالم.
هل كانت ثورات أم احتجاجات؟
حتى الاسم موضع جدل.
في تونس استُخدمت كلمة الثورة على نطاق واسع.
وفي مصر سماها المشاركون ثورة 25 يناير.
وفي ليبيا وسوريا تحولت الانتفاضة إلى حرب.
وفي البحرين تسميها المعارضة ثورة أو انتفاضة، بينما تستخدم الحكومة ومؤيدوها أوصافًا مختلفة.
أما «الربيع العربي» فهو اسم إعلامي استلهم تعبيرات تاريخية مثل ربيع براغ و«ربيع الشعوب».
لكن الاسم يفترض موسمًا واحدًا.
والواقع كان أعقد.
لا ضرر في استخدامه لتسمية المرحلة.
المشكلة فقط عندما يجعلنا نتوقع أن تكون كل أزهار الموسم من النوع نفسه.
المرأة
ظهرت النساء بقوة في الاحتجاجات.
ناشطات.
وصحفيات.
ومتظاهرات.
وطبيبات.
ومحاميات.
وفي اليمن أصبحت توكل كرمان واحدة من أشهر وجوه الاحتجاج وحصلت على جائزة نوبل للسلام سنة 2011 إلى جانب ناشطتين من ليبيريا.
في مصر وتونس وسوريا والبحرين وغيرها شاركت النساء في ساحات الاحتجاج.
لكن وجود المرأة في الثورة لم يعنِ تلقائيًا زيادة دائمة في نفوذها السياسي بعد الثورة.
في بعض الحالات توسعت المشاركة والتمثيل.
وفي أخرى واجهت النساء عنفًا أو إقصاءً أو عودة قوى اجتماعية محافظة.
الثورة تستطيع فتح باب الساحة.
ولا تضمن من يحصل على مفاتيح المؤسسة بعد ذلك.
الشباب
الشيء نفسه حدث للشباب.
هم الذين ملؤوا صور الاحتجاج.
لكن الأحزاب القديمة والمؤسسات العسكرية والجماعات المنظمة كانت أقدر غالبًا على تحويل اللحظة الثورية إلى نفوذ سياسي مستمر.
الشاب يستطيع تنظيم مظاهرة عبر الهاتف.
أما خوض انتخابات وطنية فيحتاج إلى تنظيم.
ومقر.
وتمويل.
ومرشحين.
ومراقبين.
وبرنامج.
وهنا ظهرت الفجوة بين الحشد والتنظيم.
القوى التي لم تبدأ الثورة دائمًا كانت أحيانًا الأقدر على وراثة مؤسساتها.
الإسلاميون
دخلت الحركات الإسلامية مرحلة ما بعد الانتفاضات بقوة.
فاز حزب النهضة في أول انتخابات تونسية بعد الثورة.
وفاز الإخوان المسلمون وحلفاؤهم بحصة كبيرة في الانتخابات المصرية ثم وصل مرسي إلى الرئاسة.
وفي المغرب قاد حزب العدالة والتنمية الحكومة بعد انتخابات 2011.
بالنسبة إلى مؤيدي هذه القوى، كانت الانتخابات أخيرًا تسمح لحركات ذات قاعدة شعبية حقيقية بالمنافسة.
أما خصومهم فخشوا أن تستخدم الحركات الإسلامية الانتخابات للوصول إلى السلطة ثم تغير قواعد النظام بما يحد من التعددية.
في مصر انفجر هذا الخلاف بعنف سياسي.
وفي تونس دخلت النهضة في تسويات وائتلافات ثم تغير موقعها جذريًا بعد 2021.
الربيع لم يحل سؤال العلاقة بين الدين والدولة.
جعله أكثر وضوحًا.
العلمانيون
كلمة «علماني» بدورها تخفي مجموعات كثيرة.
ليبراليون.
ويساريون.
وقوميون.
ونشطاء حقوقيون.
وشباب بلا أيديولوجيا مكتملة.
اتفق بعضهم مع الإسلاميين على إسقاط الأنظمة.
ثم اختلفوا على الدستور.
والشريعة.
وحقوق المرأة.
وصلاحيات الرئيس.
وشكل الدولة.
أظهر الربيع أن التحالف السلبي سهل نسبيًا.
نحن جميعًا ضد الرئيس.
أما التحالف الإيجابي فأصعب:
ما النظام الذي نريد بناءه معًا؟
الدولة العميقة
بعد سقوط رؤساء في تونس ومصر واليمن ظهر تعبير:
الدولة العميقة.
يشير إلى مؤسسات وشبكات أمنية وإدارية واقتصادية لا تختفي بخروج الرئيس.
المصطلح يستخدم أحيانًا بإفراط وكأنه يفسر كل شيء.
لكن خلفه حقيقة مهمة.
الرئيس ليس الدولة.
هناك قضاة.
وضباط.
وموظفون.
ورجال أعمال.
ومحافظون.
وشبكات محلية.
إذا كانت الثورة تملك القدرة على إخراج رجل من القصر ولا تملك تصورًا لكيفية إصلاح المؤسسات، فإن النظام القديم يستطيع الاستمرار بأشكال جديدة.
وفي المقابل، تفكيك المؤسسات كلها قد ينتج ليبيا أخرى.
إصلاح الدولة يحتاج إلى التوازن بين الاستمرار والتغيير.
الخوف من الفوضى
مع تطور الأحداث ظهر خطاب قوي في المنطقة:
انظروا إلى ليبيا وسوريا واليمن.
التغيير يجلب الفوضى.
استخدمت حكومات هذا الاستنتاج لتبرير أولوية الاستقرار والأمن.
ويقول منتقدو هذا الخطاب إن السبب ليس الثورة نفسها، بل القمع ورفض الإصلاح وضعف المؤسسات والتدخلات الخارجية.
لا يمكن حسم المسألة بجملة واحدة.
الحقيقة أن بعض الثورات ارتبطت فعلًا بانهيار مؤسسات وحروب مدمرة.
والحقيقة أيضًا أن بقاء نظام غير قابل للإصلاح يستطيع أن يؤجل الأزمة ولا يحلها.
الخيار الحقيقي ليس دائمًا بين «الاستبداد والاستقرار» و«الديمقراطية والفوضى».
هذه ثنائية أسهل من الواقع.
لماذا لم تحل الانتخابات كل شيء؟
لأن الديمقراطية ليست صندوقًا فقط.
تحتاج إلى قواعد يقبلها الخاسر.
وقضاء.
وإعلام.
وأحزاب.
وثقة.
ودستور.
ومؤسسات أمنية تخضع للسلطة المدنية.
واقتصاد لا يجعل كل حكومة تبدأ يومها بأزمة خبز أو عملة أو بطالة.
في دول خرجت من عقود من الحكم المغلق، كان مطلوبًا بناء أشياء كثيرة في الوقت نفسه.
الناس يريدون الحرية.
ويريدون الوظائف.
ويريدون الأمن.
ويريدون الخدمات.
وقد لا يمنح الانتقال السياسي السريع أيًا منها بسرعة كافية.
هنا يبدأ الحنين إلى النظام القديم عند بعض الناس.
حتى لو كانوا قد خرجوا ضده يومًا.
الاقتصاد بعد الثورة
في تونس ومصر تراجع السياح والاستثمار في فترات الاضطراب.
ارتفع الضغط على الموازنات.
واستمرت البطالة.
في ليبيا واليمن وسوريا أصبح الضرر أعمق بكثير بسبب الحرب.
وهذا كشف مشكلة توقعات الثورة.
المتظاهر يخرج لأنه يريد حياة أفضل.
لكن الثورة نفسها قد تسبب في المدى القصير اضطرابًا اقتصاديًا يجعل الحياة أسوأ.
إذا طال الانتظار، يبدأ السؤال:
ماذا تغير؟
النظام السياسي يحتاج إلى وقت.
أما الأسرة التي تحتاج إلى راتب فلا تستطيع انتظار الدستور عشر سنوات.
موجة انتهت… ثم عادت
بعد سنوات بدأ كثيرون يقولون:
انتهى الربيع العربي.
ثم في 2018 و2019 ظهرت موجات احتجاج جديدة في السودان والجزائر والعراق ولبنان.
كانت السياقات مختلفة.
لكن الشعارات حملت شيئًا من الروح نفسها.
ضد الفساد.
وضد النخب المغلقة.
ومن أجل تغيير أعمق من استبدال وزير بآخر.
هذا يشير إلى أن 2011 لم تكن حادثًا معزولًا.
بل لحظة ظهور أزمة أوسع في العلاقة بين المواطن والدولة في أجزاء من العالم العربي.
حتى عندما تتغير النتيجة، يبقى السؤال.
السودان والجزائر: الجيل الثاني
في الجزائر خرجت حركة الحراك سنة 2019 ضد ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة.
استقال بوتفليقة.
لكن المؤسسة السياسية والعسكرية بقيت حاضرة بقوة في المرحلة اللاحقة.
وفي السودان أدت احتجاجات بدأت أواخر 2018 إلى إطاحة الجيش بالرئيس عمر البشير في أبريل 2019.
ثم جرت ترتيبات شراكة مدنية عسكرية قبل أن تنقلب المؤسسة العسكرية على المرحلة الانتقالية في 2021، ثم تنفجر الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في 2023.
مرة أخرى ظهرت المشكلة نفسها.
إسقاط الرئيس لحظة.
وبناء الدولة عملية مختلفة تمامًا.
هل غير الربيع العربي المنطقة؟
نعم، بالمعنى الوصفي.
سقطت أنظمة.
وتغيرت دساتير.
وظهرت حروب.
وتحرك ملايين اللاجئين.
وصعدت قوى سياسية واختفت أخرى.
وتعلمت الحكومات من الثورات كما تعلم المحتجون.
طورت الدول أدوات المراقبة الرقمية.
ووسعت بعض الحكومات شبكات الدعم الاجتماعي.
وأصبحت النخب أكثر حساسية لأسعار الخبز والبطالة والاحتجاج الإلكتروني.
حتى البلدان التي لم تسقط حكوماتها تغيرت بفعل الخوف من انتقال العدوى إليها.
الثورة التي لا تصل إلى بلد تستطيع أن تغير سياسات ذلك البلد أيضًا.
وهل غير المواطن؟
ربما هذا هو الأثر الأصعب قياسًا.
قبل 2011 كان هناك تصور واسع بأن الأنظمة العربية ثابتة.
الرئيس يمكن أن يحكم ثلاثين عامًا.
وقد يرثه ابنه.
والشارع يستطيع الشكوى…
ولا يستطيع تغيير قمة السلطة.
تونس كسرت الفكرة.
ثم مصر.
ومنذ ذلك الوقت لم تعد صورة الاستقرار السياسي مطابقة لما كانت قبله.
لكن السنوات اللاحقة أضافت درسًا معاكسًا أيضًا.
إسقاط النظام قد يكون أسهل بكثير من بناء البديل.
جيل 2011 تعلم الدرسين في الوقت نفسه.
كلمة «فشل»
كثير من التحليلات تصف الربيع العربي بالفشل.
لكن ما معيار النجاح؟
إذا كان المعيار تأسيس ديمقراطيات مستقرة في كل الدول، فهذا لم يحدث.
إذا كان المعيار إسقاط بعض الحكام، حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن، ثم بعد سنوات في سوريا.
إذا كان المعيار تحسين حياة المواطنين اقتصاديًا، فالنتائج شديدة التباين، وبعض البلدان تعرض لكوارث إنسانية واقتصادية.
إذا كان المعيار إعادة السياسة إلى المجال العام، فقد حدث ذلك بصورة يصعب التراجع عنها بالكامل.
لذلك كلمة واحدة لا تكفي.
الثورات ليست مشروعًا له جدول أهداف نضع أمام كل واحد علامة صح أو خطأ.
هي أحداث تاريخية تغير مسارات بطرق لم يقصدها الذين بدأوها.
وكلمة «نجاح»
هي أيضًا خطرة.
إسقاط حاكم لا يجعل الثورة ناجحة تلقائيًا.
وانتخاب برلمان لا يعني أن الديمقراطية ترسخت.
وعدم اندلاع حرب لا يعني أن أسباب الغضب حُلت.
يمكن لبلد أن ينجو من الفوضى ويبقى مغلقًا سياسيًا.
ويمكن لبلد أن يفتح السياسة ويعاني اقتصاديًا.
لهذا فإن المقارنة بين تونس وليبيا أو مصر وسوريا باستخدام مقياس واحد تظلمها جميعًا.
السؤال الأفضل:
ما الذي تغير؟
وما الذي بقي؟
المفارقة
بدأ الربيع العربي لأن كثيرًا من الناس شعروا أن الدولة لا تسمعهم.
ثم بعد سقوط بعض الحكام اكتشفوا أن سماع الناس ليس هو المشكلة الوحيدة.
هناك سؤال أصعب:
ماذا نفعل عندما يتكلم الجميع في الوقت نفسه ولا يريدون الشيء نفسه؟
الميدان يستطيع أن يجمع الإسلامي والعلماني حول شعار:
ارحل.
لكن الدستور يحتاجهما إلى الاتفاق على سؤال:
ومن يأتي؟
الميدان يستطيع إسقاط تمثال.
لكنه لا يستطيع وحده إدارة البنك المركزي.
ولا إصلاح الشرطة.
ولا توحيد الجيش.
ولا توفير وظيفة.
ولا كتابة قانون يقبل به من خسر الانتخابات.
الثورة تفتح الباب.
لكنها لا تخبر الداخلين إلى أين يذهبون بعده.
حين فتحت الشوارع بابًا ولم تعرف ما وراءه
ربما كانت صورة الربيع العربي الأوضح ليست صورة سقوط مبارك أو هروب بن علي.
بل صورة باب مفتوح.
وقف الناس لعقود أمامه وهم يعتقدون أنه لن يفتح.
ثم فتح.
وفي اللحظة الأولى كان ذلك كافيًا.
دخلت تونس.
ودخلت مصر.
وحاولت ليبيا.
واليمن.
وسوريا.
والبحرين.
ثم اكتشف الجميع أن خلف الباب ليست غرفة واحدة.
هناك ممرات.
وبعضها يؤدي إلى انتخابات.
وبعضها إلى ثكنة.
وبعضها إلى حرب.
وبعضها يعود إلى باب يشبه الباب القديم.
تونس بنت مؤسسات سياسية جديدة ثم أعادت توزيع السلطة بصورة واسعة بعد 2021.
مصر مرت من الثورة إلى حكم المجلس العسكري ثم رئيس منتخب ثم تدخل عسكري ونظام رئاسي قوي.
ليبيا أسقطت القذافي وما زالت تحاول توحيد الدولة.
اليمن أخرج صالح من الرئاسة ثم دخل حربًا لم تنتهِ سياسيًا حتى اليوم.
البحرين أنهت موجة الاحتجاج الكبرى من دون إسقاط النظام.
وسوريا احتاجت ثلاثة عشر عامًا من الحرب حتى يسقط النظام الذي بدأت التظاهرات ضده، ثم وجدت نفسها أمام مهمة بناء دولة جديدة فوق بلد محطم.
لا واحدة من هذه القصص تسمح لنا بعبارة سهلة.
ولا يجب أن تسمح.
فالربيع العربي لم يكن قصة أن الشعوب ثارت ففازت.
ولا قصة أنها ثارت فندمت.
كان اللحظة التي ظهر فيها علنًا أن العقد القديم بين الدولة والمواطن لم يعد قادرًا على إخفاء مشكلاته.
بعض الدول أصلحت أجزاء منه.
وبعضها شدد السيطرة.
وبعضها انهار.
وبعضها ما يزال يبحث عن صيغة جديدة.
أما البوعزيزي، الرجل الذي بدأت منه الرواية الأشهر، فلم يرَ شيئًا من ذلك.
توفي في 4 يناير 2011.
قبل هروب بن علي بعشرة أيام.
لم يرَ ميدان التحرير.
ولا سقوط القذافي.
ولا حرب سوريا.
ولا انقسام ليبيا.
ولا دستور تونس.
ولا عودة السلطة الرئاسية القوية إليها.
ربما هذه هي المفارقة الأخيرة.
فعل فردي ولد من شعور بالعجز…
أقنع ملايين الأشخاص لفترة قصيرة بأنهم أقوى مما كانوا يظنون.
ثم أمضت المنطقة خمسة عشر عامًا تتعلم أن القوة على إسقاط الباب…
ليست القوة نفسها اللازمة لبناء البيت بعده.
المصادر والمراجع
– World Bank — دراسات سوق العمل والبطالة والحوكمة والعقد الاجتماعي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بعد 2011.
– Arab Barometer — استطلاعات الرأي المتعلقة بأسباب الانتفاضات والثقة بالمؤسسات والفساد والعدالة الاجتماعية.
– United Nations — تقارير مجلس الأمن والأمين العام المتعلقة باليمن وليبيا وسوريا.
– Bahrain Independent Commission of Inquiry — Report of the Bahrain Independent Commission of Inquiry, 2011.
– International Crisis Group — دراسات الانتقالات السياسية والنزاعات في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا والبحرين.
– Marc Lynch — The Arab Uprising: The Unfinished Revolutions of the New Middle East.
– Marc Lynch — The New Arab Wars: Uprisings and Anarchy in the Middle East.
– Gilbert Achcar — The People Want: A Radical Exploration of the Arab Uprising.
– James L. Gelvin — The Arab Uprisings: What Everyone Needs to Know.
– Jason Brownlee, Tarek Masoud and Andrew Reynolds — The Arab Spring: Pathways of Repression and Reform.
– Eva Bellin — Reconsidering the Robustness of Authoritarianism in the Middle East.
– Alfred Stepan — دراسات الانتقال الديمقراطي في تونس.
– Safwan M. Masri — Tunisia: An Arab Anomaly.
– United Nations Support Mission in Libya — التسلسل الزمني والتقارير الخاصة بالانتقال والانقسام السياسي الليبي.
– Office of the Special Envoy of the Secretary-General for Yemen — تقارير العملية السياسية اليمنية.
– United Nations Special Envoy for Syria — بيانات وتقارير الانتقال السوري بعد ديسمبر 2024.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top