وهم الوفرة: ماذا يتبقى من العالم خارج المليار الذهبي؟

وهم الوفرة — ماذا يتبقى من العالم خارج «المليار الذهبي»؟

في مدينة ما، يفتح إنسان باب ثلاجته فلا يعرف أي نوع من الطعام يختار.

وفي مكان آخر، تمشي امرأة ساعات لجلب الماء.

طفل يتعلم البرمجة على حاسوب محمول.

وطفل آخر يدرس على ضوء مصباح يعمل ببطارية لأن الكهرباء لم تصل إلى قريته.

رجل يحتار بين شراء سيارة كهربائية أو هجينة.

وأسرة ما تزال تطهو فوق وقود يملأ البيت بالدخان.

العالم نفسه.

والكوكب نفسه.

والزمن نفسه.

لكن الحياة لا تبدو كأنها تجري على الكوكب نفسه.

من هنا تولد واحدة من أكثر الأفكار إغراءً:

هناك جزء من البشرية يعيش داخل الوفرة.

والباقي يدفع ثمنها.

وفي بعض الخطابات يُختصر هذا الجزء بتعبير:

«المليار الذهبي».

مليار يعيش في الرفاه.

وسبعة مليارات تقريبًا خارج الأسوار.

الصورة قوية.

لكن هل هي صحيحة؟

الجواب يبدأ بمفارقة.

التفاوت الذي تحاول العبارة وصفه حقيقي جدًا.

أما «المليار» نفسه فليس فئة اقتصادية أو علمية دقيقة.

والفكرة، عندما تتحول إلى ادعاء بوجود مجموعة دولية موحدة قررت سرًا أن تمنع بقية البشرية من الازدهار، تنتقل من نقد قابل للقياس إلى تفسير تآمري لا تدعمه الأدلة.

العالم غير عادل بما يكفي من دون أن نحتاج إلى اختراع غرفة مغلقة يدير منها أحد كل شيء.

السؤال الأهم ليس:

من أعضاء النادي السري؟

بل:

كيف أصبح إنتاج العالم وثروته وموارده وفرصه موزعة بهذه الطريقة؟

أولًا: ما هو «المليار الذهبي»؟

ظهر التعبير في النقاشات السوفيتية والروسية المتأخرة، ثم اكتسب لاحقًا معاني سياسية وأيديولوجية مختلفة.

في أبسط استخداماته، يشير إلى سكان الدول الأكثر ثراءً، خصوصًا أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية واليابان وأستراليا وغيرها.

لكن في نسخته الأكثر تطرفًا، يتحول إلى نظرية تقول إن نخبة عالمية أو دولًا غنية تتعمد الحفاظ على رفاه نحو مليار إنسان ومنع بقية العالم من الوصول إلى المستوى نفسه.

المشكلة أن الواقع لا يعرف هذا الخط الواضح.

هناك أثرياء شديدو الثراء في الهند والصين والبرازيل ودول الخليج وإفريقيا.

وهناك فقراء في الولايات المتحدة وأوروبا.

هناك دولة متوسطة الدخل تحتوي مليارديرات وفقراء في المدينة نفسها.

وهناك دول غنية أقل تفاوتًا من دول أفقر منها.

الثروة لا تتوقف عند جواز السفر.

والفقر لا يبدأ عند حدود «الجنوب العالمي».

لذلك يمكن استخدام «المليار الذهبي» بوصفه استعارة عن التفاوت.

لكن من الخطأ التعامل معه كخريطة حقيقية للعالم.

المشكلة مع الرقم نفسه

إذا أخذنا أحدث بيانات عدم المساواة العالمية، فلن نجد مليار شخص يشكلون كتلة اقتصادية واحدة.

يقدّر تقرير عدم المساواة العالمي 2026 أن أعلى 10% من البالغين عالميًا، أي نحو 560 مليون شخص، يحصلون على أكثر من نصف الدخل العالمي.

ويمتلك أعلى 10% نحو ثلاثة أرباع الثروة العالمية.

في المقابل يحصل النصف الأدنى من البالغين، نحو 2.8 مليار إنسان، على أقل من عُشر الدخل العالمي، ولا يملك سوى نحو 2% من الثروة.

إذن التفاوت ربما أشد مما توحي به صورة «مليار مقابل البقية».

لكنه موزع بطريقة مختلفة.

ليس هناك باب تدخل منه مجموعة كاملة اسمها «الغرب» إلى الثراء وتبقى بقية القارات خارجه.

هناك هرم عالمي.

وعلى درجاته العليا يوجد بشر من قارات متعددة.

العالم أغنى بكثير مما كان

قبل أن نكمل صورة التفاوت، هناك حقيقة يجب ألا تختفي.

العالم لم يبقَ فقيرًا كما كان.

وفق السلسلة المحدثة للبنك الدولي، انخفض عدد الأشخاص الذين يعيشون في الفقر المدقع من نحو 2.3 مليار شخص سنة 1990 إلى نحو 831 مليونًا في 2025، وفق خط الفقر الدولي المحدث البالغ ثلاثة دولارات يوميًا بقوة الشراء لعام 2021.

هذه واحدة من أكبر التحولات الاجتماعية في التاريخ الحديث.

الصين.

وشرق آسيا.

ثم جنوب آسيا بدرجات مختلفة.

ومناطق أخرى.

مئات الملايين خرجوا من الفقر المدقع.

هذه الحقيقة مهمة لأنها تكسر فكرة أن الرفاه كمية ثابتة:

إذا أصبح شخص في آسيا أغنى، فلا يعني ذلك أن شخصًا في أوروبا يجب أن يصبح أفقر بالمقدار نفسه.

الاقتصاد يستطيع أن ينمو.

والتقنية تستطيع زيادة الإنتاجية.

والتعليم والبنية التحتية يستطيعان خلق ثروة جديدة.

لا يوجد مخزون عالمي ثابت اسمه «الازدهار» يتقاسمه البشر مثل قالب حلوى.

لكن هذه ليست نهاية القصة.

لأن الخروج من الفقر ليس دخولًا إلى الوفرة

ثلاثة دولارات يوميًا خط فقر مدقع.

الخروج فوقه لا يعني أن الإنسان دخل الطبقة الوسطى العالمية.

قد يصبح دخله أربعة أو خمسة أو عشرة دولارات في اليوم.

وما يزال مرض واحد أو فقدان وظيفة أو محصول سيئ قادرًا على إعادته إلى الفقر.

ولهذا فإن نجاح العالم في خفض الفقر المدقع لا يعني أن مشكلة التفاوت انتهت.

يمكن أن يتحسن حال الفقراء…

ويزداد الأغنياء ثراءً بسرعة أكبر في الوقت نفسه.

هذا ما يجعل الأرقام العالمية تبدو أحيانًا متناقضة.

العالم يصبح أغنى.

والتفاوت يبقى هائلًا.

الجملتان صحيحتان.

الثروة أكثر تفاوتًا من الدخل

هناك فرق بين الدخل والثروة.

الدخل هو ما يدخل إليك خلال فترة.

راتب.

أرباح.

دخل استثماري.

أما الثروة فهي ما تملكه بعد طرح الديون:

منزل.

أرض.

أسهم.

شركات.

أموال.

أصول.

وهنا يصبح التركز أشد.

أعلى 1% من البالغين عالميًا يملك وفق تقرير عدم المساواة العالمي 2026 نحو 37% من الثروة.

أما النصف الأفقر من البشرية البالغة فلا يملك إلا نحو 2%.

هذا يعني أن الفجوة ليست فقط في القدرة على شراء الطعام اليوم.

بل في القدرة على مواجهة الغد.

من يملك منزلًا ومحفظة استثمارية يستطيع أن يتحمل البطالة أشهرًا.

من لا يملك شيئًا قد تحوله فاتورة طبية واحدة إلى مدين.

الثروة ليست رفاهًا فقط.

إنها وسادة ضد السقوط.

الحدود لا تشرح كل شيء

من السهل تقسيم العالم إلى:

شمال غني.

وجنوب فقير.

لكن هذا التقسيم أصبح أقل قدرة على تفسير ما يحدث.

الصين اليوم واحدة من أكبر الاقتصادات في العالم.

الهند مركز عالمي للتقنية والخدمات وفيها طبقة وسطى ضخمة ومتنامية.

دول الخليج تمتلك مستويات دخل مرتفعة.

وأثرياء آسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط جزء من الطبقة الاقتصادية العالمية العليا.

حتى في قضية الانبعاثات، يشير تقييم الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى أن نسبة معتبرة من أعلى الأفراد استهلاكًا وانبعاثًا تعيش في اقتصادات ناشئة، لا في الدول الغربية فقط.

إذن الخط الحقيقي لا يمر دائمًا بين الدول.

يمر داخلها أيضًا.

ربما يسكن رجلان في المدينة نفسها…

ويعيشان اقتصاديًا في عالمين مختلفين.

لكن الدولة ما تزال مهمة

مع ذلك لا ينبغي الذهاب إلى الطرف الآخر والقول إن مكان الولادة لم يعد مهمًا.

هو مهم جدًا.

أن تولد في دولة ذات مدارس جيدة، كهرباء مستقرة، مياه آمنة، مستشفيات، شبكات نقل، قانون يعمل، وإنترنت، يمنحك نقطة بداية مختلفة جذريًا عن إنسان يولد في دولة فقيرة أو تعاني حربًا.

الثري في دولة فقيرة يستطيع شراء الكثير من الخدمات الخاصة.

لكن المواطن العادي لا يستطيع شراء محطة كهرباء أو شبكة صرف صحي أو استقرار عملة بنفسه.

المؤسسات العامة تصنع جزءًا كبيرًا من الفرق بين الدول.

ولهذا توجد فجوة بين التفاوت داخل البلد والتفاوت بين البلدان.

كلاهما يعمل في الوقت نفسه.

ماذا يستهلك الأغنياء فعلًا؟

هنا ننتقل من المال إلى المادة.

الثروة الرقمية تبدو أحيانًا بلا وزن.

الأرقام تتحرك على الشاشة.

لكن الحياة المادية تحتاج إلى أشياء حقيقية.

حديد.

ونحاس.

وإسمنت.

وخشب.

وحبوب.

وماء.

ونفط.

وغاز.

وليثيوم.

وأرض.

وفق «توقعات الموارد العالمية 2024» لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، ارتفع استخراج الموارد الطبيعية عالميًا من نحو 30 مليار طن سنة 1970 إلى أكثر من 106 مليارات طن في 2024.

أي أنه تضاعف أكثر من ثلاث مرات خلال نحو نصف قرن.

كل مدينة جديدة تحتاج إلى مواد.

كل طريق.

وكل سيارة.

وكل منزل.

وكل هاتف.

حتى الاقتصاد الرقمي يحتاج إلى مناجم ومراكز بيانات وكهرباء.

العالم الافتراضي يقف فوق قاعدة مادية ضخمة.

ستة أمثال

يكشف تقرير الأمم المتحدة فجوة كبيرة في الاستهلاك المادي.

تستهلك الدول مرتفعة الدخل للفرد موادًا تقارب ستة أمثال ما تستهلكه الدول منخفضة الدخل.

كما أن آثارها المناخية المرتبطة باستخدام الموارد أعلى بنحو عشرة أمثال.

هذه ليست نظرية.

إنها فرق يمكن قياسه في الإسمنت والمعادن والطاقة والوقود والسلع.

إنسان يعيش في منزل كبير، يمتلك سيارتين، يسافر بالطائرة، يبدل أجهزته باستمرار، ويستهلك لحومًا وسلعًا وخدمات أكثر، يحتاج إلى تدفق مادي أكبر بكثير من إنسان يعيش في منزل صغير ولا يمتلك سيارة.

الرفاه يحتاج إلى مواد.

وكلما ارتفع الاستهلاك، ازدادت البصمة.

لكن من أين تأتي المواد؟

هنا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا.

الدولة الغنية لا تستخرج بالضرورة كل ما تستهلكه داخل حدودها.

قد تستورد النحاس من تشيلي.

والكوبالت من الكونغو.

والحديد من أستراليا أو البرازيل.

والملابس من بنغلادش وفيتنام.

والإلكترونيات من شرق آسيا.

والغذاء من قارات مختلفة.

بهذا تستطيع دولة غنية أن تخفض بعض التلوث داخل حدودها…

بينما تستورد منتجات صُنعت بتلوث في بلد آخر.

إذا حسبنا فقط الانبعاثات التي تحدث داخل الدولة، يمكن أن نخفي جزءًا من أثر الاستهلاك.

ولهذا يستخدم الباحثون مفهوم «البصمة المادية» والانبعاثات القائمة على الاستهلاك.

السؤال ليس فقط:

أين أُنتج الشيء؟

بل:

من استخدمه في النهاية؟

مصنع العالم غير الخريطة

طوال عقود انتقلت أجزاء كبيرة من الصناعة كثيفة الموارد والطاقة من الدول الغنية إلى آسيا ودول متوسطة الدخل.

هذا ساهم في خلق ملايين الوظائف ورفع مستويات المعيشة.

لكنه غيّر كذلك خريطة التلوث واستهلاك المواد.

اليوم لا يمكن القول ببساطة:

الدول الغنية تستهلك والدول الفقيرة تنتج.

الصين مثلًا أصبحت منتجًا ومستهلكًا ضخمًا في الوقت نفسه.

والطبقات الوسطى في آسيا تشتري سيارات وأجهزة ومساكن بأعداد هائلة.

العالم لم يعد مركزًا غنيًا واحدًا وأطرافًا فقيرة ثابتة.

مراكز الاستهلاك نفسها تتحرك.

وهذا أحد الأسباب التي تجعل استعارة «المليار الذهبي» قديمة أكثر مما تبدو.

الطاقة: الوفرة التي لا تصل إلى الجميع

ينتج العالم طاقة أكثر من أي وقت مضى.

محطات عملاقة.

شبكات قارية.

نفط وغاز وفحم وطاقة نووية وشمس ورياح ومياه.

ومع ذلك، وفق وكالة الطاقة الدولية، ما يزال نحو 730 مليون شخص بلا كهرباء.

ليس كهرباء قليلة.

بلا وصول إليها أصلًا.

كما يعتمد قرابة ملياري إنسان على وسائل طهي ملوثة أو غير نظيفة بما يكفي، مثل الحطب والفحم والكتلة الحيوية التقليدية في ظروف سيئة التهوية.

هذه الأرقام تكشف فرقًا مهمًا بين وجود المورد ووجود الخدمة.

العالم لا يعاني نقصًا في معرفة كيفية توليد الكهرباء.

المشكلة أن الشبكة والاستثمار والدخل والاستقرار السياسي والتمويل لم تصل إلى كل شخص.

الكهرباء ليست إلكترونًا فقط

لكي يحصل طفل على كهرباء، تحتاج إلى أكثر من محطة توليد.

خطوط نقل.

وشبكة توزيع.

ومحول.

وعداد.

وشركة قادرة على الصيانة.

وحكومة تستطيع تنظيم القطاع.

وأسرة قادرة على دفع الفاتورة.

إذا كانت القرية بعيدة جدًا، قد تحتاج إلى شبكة مصغرة أو نظام شمسي مستقل.

لذلك لا يمكن حل فجوة الطاقة بمجرد القول:

هناك فائض كهرباء في مكان آخر.

الإلكترون لا يسافر داخل سفينة مساعدات.

تحتاج إلى بنية تحتية.

وهذه تكلف مالًا قبل أن تنتج مالًا.

الماء: كوكب أزرق وعطش حقيقي

ثلاثة أرباع سطح الأرض تقريبًا مغطى بالماء.

ومع ذلك تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية واليونيسف إلى أن 2.1 مليار إنسان ما يزالون بلا مياه شرب مأمونة الإدارة.

هذه ربما أفضل صورة لـ«وهم الوفرة».

الماء موجود.

لكن معظم ماء الأرض مالح.

والماء العذب موزع جغرافيًا بطريقة غير متساوية.

ثم يحتاج إلى آبار أو خزانات ومحطات معالجة وأنابيب وطاقة ومراقبة جودة.

قد يهطل المطر فوق بلد…

ولا تصل المياه الآمنة إلى المنزل.

الطبيعة توفر المورد.

أما الخدمة فتبنيها المؤسسات.

الغذاء: الجوع وسط الهدر

في سنة 2024 عانى نحو 673 مليون شخص من الجوع وفق تقرير حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم.

وفي الوقت نفسه قدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن العالم أهدر في 2022 نحو 1.05 مليار طن من الغذاء على مستوى الأسر والمطاعم وتجارة التجزئة، بما يقارب خُمس الغذاء المتاح للمستهلكين.

يبدو التناقض فاضحًا.

مئات الملايين جائعون.

ومليار طن تقريبًا يُهدر.

لكن يجب الحذر من استنتاج بسيط:

اجمع الطعام المهدور في باريس ونيويورك وأرسله إلى الجائع.

جزء من الطعام سيفسد قبل نقله.

وبعضه أجزاء غير صالحة للأكل.

والتكلفة واللوجستيات كبيرة.

والجوع غالبًا سببه أن الإنسان لا يملك الدخل أو الأرض أو الوصول إلى السوق، لا أن الكوكب لم ينتج أي طعام.

هدر الطعام مشكلة حقيقية.

لكنه ليس خزانًا واحدًا يمكن فتحه وتوزيعه.

الجوع مشكلة قوة شرائية أيضًا

في مجاعة أو أزمة غذائية قد تكون الأسواق مليئة بالطعام…

لكن الإنسان لا يملك المال لشرائه.

هذه فكرة قديمة في اقتصاد المجاعات.

الحق في الغذاء لا يعتمد فقط على وجود الحبوب في المخزن.

يعتمد على قدرة الأسرة على الحصول عليها.

دخل.

وظيفة.

محصول.

تحويلات.

شبكة أمان.

أمن.

طريق مفتوح.

في الحرب يمكن أن يكون الطعام موجودًا على الجانب الآخر من حاجز.

وفي دولة فقيرة يمكن أن يكون موجودًا في السوبرماركت ولا تستطيع الأسرة شراءه.

الوفرة الكلية لا تضمن الوصول الفردي.

إذن هل المشكلة التوزيع فقط؟

لا.

هذه إحدى أكثر الجمل المريحة شيوعًا:

لدينا ما يكفي للجميع، المشكلة فقط في التوزيع.

في بعض المجالات، التوزيع فعلًا جزء ضخم من المشكلة.

لكن كلمة «فقط» خاطئة.

لدينا كذلك حدود مادية.

مياه جوفية تستنزف.

تربة تتدهور.

مصايد أسماك تتراجع.

غابات تُزال.

غلاف جوي لا يستطيع امتصاص كميات لا نهائية من ثاني أكسيد الكربون من دون تغيير المناخ.

ومعادن تحتاج إلى مناجم جديدة.

إذا عاش ثمانية أو تسعة مليارات إنسان بنمط الاستهلاك المادي لأعلى الشرائح في الدول الغنية، لن تكون المسألة مجرد إعادة توزيع الموجود.

سيحتاج النظام إلى تدفقات هائلة من الطاقة والمواد.

السؤال البيئي حقيقي.

هل يعني ذلك أن الفقراء يجب أن يبقوا فقراء؟

لا.

وهنا توجد أخطر قفزة أخلاقية يمكن أن تنتج من نقاش الموارد.

إذا كان استهلاك الجميع مثل الأغنياء غير مستدام، لا يعني ذلك أن الحل هو إبقاء مليارات البشر بلا كهرباء وسيارة إسعاف ومكيف في الحر ومياه نظيفة.

هناك فرق بين:

الاستهلاك الضروري لحياة كريمة.

والاستهلاك المفرط.

بناء شبكة صرف صحي في إفريقيا يزيد استخدام المواد والطاقة.

لكنه ليس مكافئًا لامتلاك طائرة خاصة.

تركيب مكيف في مستشفى يختلف عن تبريد منزل ضخم فارغ معظم السنة.

العدالة لا تعني تجميد الفقير حيث هو.

تعني أن مساحة التنمية التي يحتاجها لا تُستهلك كلها بواسطة أنماط استهلاك عالية في الأعلى.

الانبعاثات تكشف الفرق

بحسب تقرير عدم المساواة العالمي 2026، يرتبط أعلى 10% من السكان بنحو 47% من الانبعاثات القائمة على الاستهلاك.

أما النصف الأدنى فيرتبط بنحو 10%.

وهذا قريب من الصورة الأوسع التي قدمتها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.

إذن الأزمة المناخية ليست موزعة بالتساوي بين البشر.

لكن المسؤولية ليست جواز سفر فقط.

الرجل الثري شديد الاستهلاك في دولة متوسطة الدخل قد تكون بصمته أعلى من شخص محدود الدخل في دولة غنية.

المناخ يعيدنا إلى النقطة نفسها:

الخريطة الاقتصادية الحقيقية تمر بين الطبقات بقدر ما تمر بين البلدان.

ومن يدفع ثمن المناخ؟

هنا تظهر مفارقة إضافية.

مجتمعات كثيرة ذات انبعاثات تاريخية ومنتظمة منخفضة هي الأكثر تعرضًا للجفاف والفيضانات والحرارة وفقدان المحاصيل.

ليس لأنها تعيش في مناخ أسوأ فقط.

بل لأنها تملك قدرة أقل على التكيف.

الأسرة الغنية تستطيع شراء تأمين.

وتكييف.

ومنزل أكثر مقاومة.

وقد تنتقل.

أما المزارع الفقير الذي يعتمد على موسم مطر واحد فلا يملك الكثير من البدائل.

التغير المناخي لا يضرب الجميع بالتساوي حتى عندما تمر العاصفة فوق الجميع.

الثروة تعمل هنا كدرع.

هل الغرب سرق كل شيء؟

التاريخ الاستعماري مهم.

القوى الأوروبية بنت إمبراطوريات استخرجت موارد وفرضت نظم تجارة وسيطرة سياسية على مناطق واسعة من العالم.

وتوجد آثار لهذا التاريخ على المؤسسات والحدود والاقتصادات حتى اليوم.

لكن تحويل كل فقر معاصر إلى الاستعمار وحده لا يفسر الفروق الكبيرة بين دول استعمرت في ظروف متقاربة ثم سلكت طرقًا مختلفة.

الحكم.

والتعليم.

والسياسة الاقتصادية.

والحرب.

والفساد.

والجغرافيا.

والديموغرافيا.

والاستثمار.

والقدرة المؤسسية.

كلها مهمة.

التاريخ يفسر نقطة البداية.

ولا يكتب كل المستقبل وحده.

وهل الفقراء مسؤولون عن فقرهم؟

هذا التفسير المقابل ناقص بالقدر نفسه.

القول إن الدولة فقيرة لأن شعبها لم يعمل بما يكفي يتجاهل القيود التاريخية والمؤسساتية والجغرافية.

طفل يولد في بلد حرب لم يختر سعر الفائدة على ديون حكومته.

ولا اختار جودة مدرسته.

ولا شبكة الكهرباء.

ولا موقع بلده بعيدًا عن البحر.

الفرد يملك وكالة وقرارات.

لكن نقطة البداية ليست متساوية.

أن تطلب من عداء أن يفوز ثم تضع بعض المتسابقين خمسين مترًا خلف خط البداية لا يصنع منافسة حرة بمجرد أن تطلق المسدس للجميع في اللحظة نفسها.

الصين كسرت جزءًا من القصة

لو كان العالم محكومًا بقاعدة ثابتة تقول إن الغنى محجوز لمجموعة دول لا تتغير، لصعب تفسير الصعود الصيني.

خلال بضعة عقود تحولت الصين من بلد منخفض الدخل إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم بالقيمة الاسمية، وأخرجت مئات الملايين من الفقر.

حدث ذلك داخل نظام عالمي لم يكن متكافئًا…

لكنه لم يكن مغلقًا تمامًا.

الصين استفادت من التجارة الدولية والاستثمار والتعليم والبنية التحتية والسياسة الصناعية وقدرتها على التصنيع على نطاق هائل.

وفي الوقت نفسه خلق صعودها مشكلات جديدة:

تلوث.

وفوارق داخلية.

واستهلاك موارد ضخم.

النجاح لم يلغِ سؤال الاستدامة.

نقله إلى مستوى أعلى.

والهند تتحرك أيضًا

الهند مثال آخر على أن خريطة الثروة ليست ثابتة.

اقتصادها نما بسرعة.

والطبقة الوسطى توسعت.

وانخفض الفقر المدقع بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة.

لكن الهند ما تزال تضم أعدادًا ضخمة من ذوي الدخل المنخفض، وتواجه تحديات في الوظائف والبنية التحتية والمياه والتلوث والتعليم.

يمكن لدولة أن تملك شركات تقنية عالمية وبرنامجًا فضائيًا…

وفي الوقت نفسه قرى تحتاج خدمات أساسية أفضل.

هذا ليس تناقضًا هنديًا خاصًا.

إنه شكل شائع من التنمية:

القرن الحادي والعشرون والقرن العشرون والقرن التاسع عشر قد يعيشون داخل الدولة نفسها.

لماذا لا يصل رأس المال إلى كل مكان؟

إذا كان الاستثمار قادرًا على رفع الإنتاجية، فلماذا لا تتدفق الأموال ببساطة إلى الدول الأفقر حيث الحاجة أكبر؟

لأن المستثمر لا يبحث عن الحاجة.

يبحث عن العائد المعدل بالمخاطر.

قد تكون دولة فقيرة بحاجة ماسة إلى محطة كهرباء.

لكن إذا كانت عملتها غير مستقرة، والمحاكم بطيئة، والحرب محتملة، والديون الحكومية مرتفعة، فقد يصبح تمويل المشروع مكلفًا جدًا.

الدولة التي تحتاج رأس المال أكثر قد تدفع عليه فائدة أعلى من دولة لا تحتاجه بالدرجة نفسها.

هذه مفارقة عميقة في التمويل العالمي.

الفقر يجعل الاستثمار أكثر ضرورة.

وفي الوقت نفسه يمكن أن يجعله أكثر تكلفة.

تكلفة المال نفسها غير متساوية

شركة في اقتصاد مستقر تستطيع الاقتراض بفائدة منخفضة.

أما مشروع بنية تحتية في دولة فقيرة فقد يواجه تكلفة تمويل مرتفعة بسبب مخاطر العملة والسياسة والديون.

ثم تصبح الكهرباء التي يحتاجها البلد أغلى قبل أن يبدأ المشروع.

هنا لا يوجد شخص شرير يجلس ويقرر:

لن نعطهم الكهرباء.

لكن النظام ينتج نتيجة تبدو قاسية جدًا.

المخاطر ترفع التكلفة.

والتكلفة تؤخر الاستثمار.

وتأخر الاستثمار يبقي الاقتصاد أضعف.

والاقتصاد الأضعف يرفع المخاطر.

دائرة يمكن أن تعيد إنتاج نفسها من دون مؤامرة.

الحرب هي أكبر آلة لصناعة الندرة

يمكن لدولة أن تملك أرضًا خصبة ونفطًا وموانئ ومتعلمين…

ثم تدمر الحرب كل ذلك.

اليمن.

وسوريا.

والسودان.

ودول أخرى.

الطريق المغلق يجعل الطعام أغلى.

المصنع المتوقف يلغي الوظائف.

العملة تنهار.

رأس المال يهرب.

الأطباء يغادرون.

الأطفال يفقدون سنوات تعليم.

بعد الحرب لا يكفي توقيع السلام.

يبدأ بلد كامل من موقع أدنى مما كان عليه.

حين نناقش سبب بقاء مناطق خارج الوفرة، لا يمكن أن نتجاهل أن الصراع المسلح يمحو في سنوات ما احتاج إلى عقود لبنائه.

الفساد ليس تفسيرًا كاملًا لكنه حقيقي

في بعض الدول تملك الحكومة موارد كبيرة ولا تتحول إلى خدمات بالقدر المتوقع.

هناك فساد.

ومحسوبية.

ومشروعات سيئة.

وإنفاق غير فعال.

قد يكون البلد غنيًا بالنفط ويبقى جزء من سكانه فقيرًا.

المورد الطبيعي لا يقرر وحده كيف توزع عائداته.

المؤسسة تفعل.

ولهذا توجد دول قليلة الموارد حققت مستويات معيشة عالية، ودول غنية بالموارد ما تزال تعاني.

الذهب تحت الأرض لا يصبح مدرسة تلقائيًا.

هناك طريق سياسي ومالي طويل بين المنجم والطفل.

الثروة الطبيعية قد تصبح عبئًا

يعرف الاقتصاديون ظواهر مرتبطة بما يسمى «لعنة الموارد».

ليست قانونًا حتميًا.

النرويج تملك النفط ونجحت في إدارة عوائده بدرجة عالية.

ودول أخرى امتلكت النفط والمعادن وواجهت فسادًا وصراعًا وتذبذبًا اقتصاديًا.

المورد الكبير قد يجعل السيطرة على الدولة أكثر قيمة.

وقد يجعل العملة تعتمد على سلعة واحدة.

وقد يضعف الحاجة إلى نظام ضريبي واسع، وبالتالي يغير العلاقة بين المواطن والحكومة.

ليس السؤال:

هل لديك موارد؟

بل:

ماذا تفعل بها؟

التقنية تصنع وفرة جديدة

هناك جانب متفائل أيضًا.

كيلوواط الكهرباء الشمسية اليوم أرخص بكثير مما كان قبل عقود.

الهاتف الذي يحمله شخص متوسط الدخل يمتلك قدرات حاسوبية كانت تحتاج إلى أجهزة باهظة في الماضي.

اللقاحات.

والاتصالات.

والبذور الأفضل.

والتعليم الرقمي.

وتحلية المياه.

كلها تستطيع توسيع ما نسميه الوفرة.

هذه النقطة مهمة لأن حدود الموارد لا تعني أن مستوى الحياة ثابت.

يمكن للابتكار أن يجعل الوحدة الواحدة من المادة والطاقة تقدم خدمة أكبر.

سيارة أكثر كفاءة.

منزل أفضل عزلًا.

مصباح LED.

شبكة ذكية.

الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى ستة أمثال المادة ليحصل على ستة أمثال الرفاه.

لكن الكفاءة وحدها لا تكفي

هناك ظاهرة معروفة:

حين يصبح الشيء أكثر كفاءة وأرخص، قد نستخدم منه أكثر.

السيارة تستهلك وقودًا أقل…

فنشتري سيارات أكبر أو نقود مسافات أطول.

الإضاءة تصبح أرخص…

فنضيء مساحات أكثر.

الشريحة الإلكترونية تصبح أكثر كفاءة…

فنضاعف عدد مراكز البيانات.

لذلك لا يكفي أن نقول إن التقنية ستحل المشكلة تلقائيًا.

الكفاءة ضرورية.

لكن أنماط الاستهلاك والسياسة والأسعار مهمة أيضًا.

يمكن أن نستخدم التقنية لكي نخفض الضغط على الموارد.

ويمكن أن نستخدمها لكي نستهلك كمية أكبر منها بشكل أكثر كفاءة.

هل يستطيع الجميع أن يعيش مثل الطبقة العليا الأمريكية؟

بالشكل المادي الحالي؟

من الصعب تصور ذلك ضمن حدود المناخ والموارد.

البيوت الأكبر.

والسيارات الأكثر.

والرحلات الجوية المتكررة.

واستهلاك الطاقة والمواد المرتفع.

إذا عممنا أعلى أنماط الاستهلاك على مليارات إضافية، سترتفع الضغوط البيئية بشدة.

لكن السؤال نفسه قد يكون مضللًا.

لماذا يجب أن يكون هذا هو نموذج الرفاه الوحيد؟

الحياة الجيدة يمكن أن تعني:

منزلًا مريحًا أصغر.

مدينة يمكن السير فيها.

نقلًا عامًا جيدًا.

رعاية صحية ممتازة.

تعليمًا قويًا.

وقتًا حرًا.

هواءً نظيفًا.

وأمنًا اقتصاديًا.

ليس كل تحسن في الحياة يحتاج إلى مزيد من الأطنان.

الفرق بين الخدمة والشيء

نحن لا نريد السيارة لذاتها.

نريد الحركة.

لا نريد محطة الكهرباء.

نريد الضوء والتبريد والتدفئة والعمل.

لا نريد الإسمنت.

نريد بيتًا آمنًا.

إذا بدأ الاقتصاد من الخدمة بدل المنتج، تظهر حلول مختلفة.

نقل عام بدل سيارة لكل شخص.

بناء أفضل بدل مكيف أكبر.

مدينة مدمجة بدل طرق لا تنتهي.

اقتصاد دائري يعيد استخدام المواد بدل استخراج كل شيء من جديد.

هذا لا يلغي الحاجة إلى الموارد.

لكنه يغير مقدار ما نحتاجه للحصول على الحياة نفسها.

الدول الفقيرة تحتاج إلى استهلاك أكثر

هذه نقطة يجب قولها بوضوح.

في أجزاء كثيرة من العالم، تخفيض استهلاك المواد ليس الهدف المناسب اليوم.

الناس يحتاجون المزيد.

مزيدًا من الإسمنت للمدارس.

مزيدًا من الحديد للسكك.

مزيدًا من الكهرباء.

مزيدًا من أجهزة التبريد في المستشفيات.

مزيدًا من الغذاء المغذي.

حتى برنامج الأمم المتحدة للبيئة يميز بين البلدان ذات الاستهلاك المرتفع التي تحتاج إلى خفض بصمتها، والبلدان منخفضة الاستهلاك التي تحتاج إلى زيادة استخدام الموارد لتوفير حياة كريمة.

العدالة البيئية ليست أن يستهلك الجميع أقل بالتساوي.

بل أن يقل الإفراط…

وتزداد الكفاية.

ماذا عن الطبقة الوسطى العالمية؟

بين الملياردير والفقير مليارات من البشر يصعب وضعهم في صورة واحدة.

عامل في الصين يمتلك شقة ودراجة كهربائية.

موظف في مصر.

أسرة في البرازيل.

ممرضة في تركيا.

مبرمج في الهند.

معلم في الأردن.

هذه الطبقة الواسعة تستهلك أكثر من الفقراء…

وأقل بكثير من النخبة العالمية العليا في معظم الحالات.

وهي التي ستحدد جزءًا ضخمًا من مستقبل الموارد.

إذا توسعت الطبقة الوسطى العالمية باستخدام البنية الاستهلاكية القديمة نفسها، سترتفع الضغوط البيئية.

أما إذا دخلت الاقتصاد عبر تقنيات ومدن أكثر كفاءة، فقد ترتفع مستويات الحياة أسرع من ارتفاع استهلاك المادة.

المشكلة ليست أن الجميع يريد حياة جيدة

من الطبيعي أن يريد الإنسان بيتًا أفضل وسيارة أو وسيلة نقل ودفئًا وتبريدًا وطعامًا متنوعًا وسفرًا.

من السهل جدًا على مجتمع غني أن يقول للفقراء:

استهلاككم المستقبلي خطر على الكوكب.

بعد أن بنى هو ثروته عبر قرنين من الوقود الأحفوري.

لهذا لا يمكن أن تكون سياسة المناخ مقنعة إذا بدت وكأنها تطلب من المتأخر أن يتوقف في منتصف السلم بينما يحتفظ من وصل إلى الأعلى بكل شيء.

التحول يحتاج إلى عدالة.

من يملك قدرة أكبر يجب أن يتحمل حصة أكبر من التكلفة.

وإلا يتحول المناخ من مشروع عالمي إلى صراع توزيع جديد.

وفرة المال ونقص الاستثمار

العالم يحتوي على تريليونات الدولارات من الأصول المالية.

لكن ذلك لا يعني أن الأموال تتجه إلى المكان الذي يحتاجها أكثر.

جزء كبير يذهب إلى أسواق آمنة ومربحة.

وقد تحتاج دولة فقيرة إلى بضعة مليارات لشبكة كهرباء أو مياه ولا تستطيع الحصول عليها بشروط محتملة.

من هنا تظهر أهمية بنوك التنمية والتمويل الميسر وضمانات المخاطر.

المشكلة ليست أن العالم لا يملك المال.

بل أن النظام المالي لا يحول المال تلقائيًا إلى مستشفى حيث الحاجة أكبر.

السوق يسأل:

ما العائد؟

التنمية تسأل:

ما الحاجة؟

والسياسة تحاول ربط السؤالين.

العالم خارج الوفرة ليس ساكنًا

عبارة «بقية العالم» توحي بكتلة تنتظر.

لكنها ليست كذلك.

إفريقيا تملك مدنًا تنمو بسرعة.

الهند تبني بنية تحتية ضخمة.

جنوب شرق آسيا أصبح مركزًا صناعيًا عالميًا.

دول كانت منخفضة الدخل أصبحت متوسطة الدخل.

ودول أخرى تراجعت بسبب الحرب أو سوء الإدارة.

لا يوجد مسار واحد.

حتى إفريقيا ليست قصة واحدة.

بوتسوانا ليست الكونغو.

وموريشيوس ليست الصومال.

والمغرب ليس جنوب السودان.

القول «الدول الفقيرة» قد يخفي فروقًا أكبر مما يكشف.

هل العولمة صنعت الفجوة أم قلصتها؟

كلا الأمرين حدثا.

التجارة والاستثمار الدوليان ساعدا دولًا آسيوية على التصنيع والنمو.

وأخرجا مئات الملايين من الفقر.

لكن العولمة نفسها خلقت رابحين وخاسرين داخل الدول.

مصنع انتقل من مدينة في الولايات المتحدة إلى آسيا.

العامل الآسيوي حصل على وظيفة.

والشركة حصلت على تكلفة أقل.

والمستهلك حصل على منتج أرخص.

والعامل الأمريكي قد يخسر وظيفته.

هل هذا نجاح أم فشل؟

يعتمد على الشخص الذي تسأله.

النظام العالمي يستطيع أن يقلل الفجوة بين البلدان…

ويزيد شعور التفاوت داخل بعضها.

وهذا يفسر الغضب في الدول الغنية أيضًا

إذا كان «المليار الذهبي» يعيش كله في نعيم، فلماذا توجد أزمات سكن وفقر وديون وغضب اقتصادي داخل بعض أغنى الدول؟

لأن متوسط دخل الدولة لا يساوي حياة كل مواطن فيها.

يمكن لمدينة أن تحتوي مليارديرات…

وأشخاصًا يعملون وظيفتين ولا يستطيعون شراء منزل.

هذا لا يجعل فقرهم مساويًا لفقر شخص بلا ماء أو كهرباء.

لكن وجوده يكشف أن «الغنى الوطني» لا يُوزع بالتساوي تلقائيًا.

حتى داخل الجدار المفترض للنادي الذهبي توجد جدران أخرى.

الطبقة أهم مما نظن

عندما ننظر إلى استهلاك الكربون والثروة، نكتشف أن أغنى الشرائح داخل كل بلد تلعب دورًا ضخمًا.

هذا يعيد رسم النقاش.

ليس السؤال فقط:

كم يستهلك الأمريكي مقابل الإفريقي؟

بل:

كم يستهلك الملياردير مقابل العامل؟

كم مرة يسافر؟

كم منزلًا يملك؟

ما حجم استثماراته؟

الاقتصاد العالمي مكوّن من دول.

لكنه مكوّن أيضًا من طبقات تعبر تلك الدول.

ولهذا قد تكون خريطة الدخل أكثر تفسيرًا لبعض الظواهر من خريطة الأعلام.

هل يوجد ما يكفي للجميع؟

الإجابة تعتمد على معنى «يكفي».

هل توجد طاقة ومواد ومعرفة وتقنية تكفي لكي يحصل كل إنسان على ماء آمن وكهرباء وطعام جيد ورعاية صحية وتعليم ومسكن لائق؟

الأدلة تشير إلى أن توفير مستوى معيشي كريم عالميًا ممكن من دون أن يتطلب تعميم أعلى أنماط الاستهلاك الحالية.

أما إذا كان المقصود:

هل يستطيع كل إنسان أن يمتلك استهلاك أعلى 1% من البشر اليوم؟

فهذا سؤال آخر.

الكوكب لا يملك فقط مشكلة توزيع.

يملك كذلك مشكلة سقف.

لكن بين الفقر المدقع وطائرة خاصة مساحة هائلة جدًا.

معظم نقاش التنمية يحدث داخل هذه المساحة.

الوهم الحقيقي

ربما ليس الوهم أن العالم غني.

هو غني بالفعل مقارنة بأي عصر سابق.

وليس الوهم أن التفاوت هائل.

هو هائل بالفعل.

الوهم هو الاعتقاد أن هاتين الحقيقتين لا يمكن أن تجتمعا.

يمكن للبشرية أن تنتج كمية غير مسبوقة من السلع…

ويبقى الملايين جائعين.

يمكن أن تمتلك تقنيات كهرباء متقدمة…

ويبقى مئات الملايين بلا اتصال بالشبكة.

يمكن أن يكون الماء كافيًا عالميًا في المجمل…

وتعطش قرية لأن المضخة مكسورة.

يمكن أن يزداد الناتج العالمي…

وتتركز الثروة.

الوفرة ليست ما ننتج فقط.

الوفرة هي القدرة على الوصول.

والمؤامرة تريحنا أكثر من النظام

فكرة وجود مجموعة صغيرة خططت لكل هذا مغرية.

لأنها تمنح المشكلة وجهًا.

إذا عرفت الشرير…

عرفت الحل.

لكن الأنظمة المعقدة أخطر من ذلك.

لا يحتاج كل مصرف في العالم إلى الاجتماع ليتفق على إقراض الدول الفقيرة بفائدة أعلى.

المخاطر والأسواق تفعل ذلك.

ولا تحتاج كل شركة إلى التخطيط لإبقاء العامل فقيرًا.

المنافسة وقوة التفاوض والقوانين قد تنتج النتيجة.

ولا تحتاج كل دولة غنية إلى مؤامرة لاستيراد المواد الرخيصة.

السوق العالمي وسلاسل التوريد تعمل بهذه الطريقة.

هذا لا يعني أن أحدًا غير مسؤول.

هناك قرارات سياسية.

ومصالح.

وضغط شركات.

واختيارات ضريبية.

واتفاقات تجارية.

وحروب.

لكن المسؤولية موزعة على مؤسسات وأفراد وسياسات كثيرة.

الواقع أقل سينمائية من المؤامرة.

وأصعب إصلاحًا.

من يملك تغيير القواعد؟

الحكومات.

والشركات.

والناخبون.

والبنوك المركزية.

ومؤسسات التمويل الدولية.

والمنظمات الدولية.

والنقابات.

والمستهلكون.

والمستثمرون.

لا يملك أي طرف زرًا واحدًا.

لكن القرارات تتراكم.

ضريبة تغير الحافز.

مدرسة تغير حياة طفل.

قرض ميسر يبني محطة كهرباء.

قانون منافسة يكسر احتكارًا.

شبكة قطارات تقلل السيارات.

تحويل نقدي يمنع أسرة من إخراج طفلها من المدرسة.

لا توجد لحظة واحدة يصبح فيها العالم عادلًا.

كما لم توجد لحظة واحدة أصبح فيها غير عادل.

المفارقة

العالم ينتج أكثر من أي وقت سابق.

ويعرف أكثر من أي وقت سابق.

ويملك تقنيات أكثر من أي وقت سابق.

ومع ذلك ما يزال مئات الملايين بلا كهرباء.

ومئات الملايين يعانون الجوع.

ومليارات لا يحصلون على مياه أو صرف صحي بالمستوى الذي تعده الدول الغنية أمرًا عاديًا.

ليست المشكلة أننا نعيش على كوكب فقير فقط.

ولا أننا نعيش داخل مؤامرة كاملة.

المشكلة أن القدرة البشرية على الإنتاج تقدمت أسرع كثيرًا من قدرتنا على ضمان الوصول العادل إلى نتائجها.

تعلمنا كيف نصنع الوفرة.

ولم نتعلم بعد كيف نجعلها عادية للجميع من دون أن نحطم النظام البيئي الذي يصنعها.

ماذا يتبقى من العالم خارج «المليار الذهبي»؟

يتبقى معظم العالم.

لكنه ليس عالمًا واحدًا.

هناك إنسان يحتاج أول خط كهرباء.

وآخر يحتاج وظيفة أفضل.

وثالث دخل الطبقة الوسطى ويشتري سيارته الأولى.

ورابع يملك عشر سيارات.

هناك دولة تحتاج إلى استخراج مزيد من المواد لكي تبني مستشفياتها.

ودولة تحتاج إلى استخدام مواد أقل لأنها تستهلك أكثر بكثير من حاجتها.

هناك بلد عالق في الحرب.

وآخر انتقل خلال جيل واحد من الفقر إلى الصناعة.

هناك ملياردير في دولة فقيرة.

وفقير في دولة غنية.

لهذا فإن الخريطة الأكثر صدقًا ليست:

مليار ذهبي ضد سبعة مليارات محرومين.

بل طبقات متداخلة من القوة والدخل والمكان والمؤسسات.

البشرية لم تنقسم إلى ناديين.

انقسمت إلى آلاف نقاط البداية المختلفة.

ومع ذلك تبقى الحقيقة التي جعلت تعبير «المليار الذهبي» جذابًا:

هناك بشر يعتبرون الكهرباء النظيفة والماء والسيارة والسفر والجامعة والمستشفى حقوقًا أو خدمات عادية…

وبشر ما يزالون يقاتلون من أجل أول درجة في السلم نفسه.

هذه الفجوة ليست وهمًا.

الوهم هو أن تفسيرها يحتاج إلى أسطورة.

أو أن حلها يحتاج فقط إلى أخذ ما عند الأغنياء ووضعه عند الفقراء.

الحل أصعب.

يحتاج إلى نمو في أماكن.

وخفض إفراط في أماكن أخرى.

وإلى بنية تحتية.

وتعليم.

ومؤسسات.

وتجارة.

وتمويل أكثر عدالة.

وتقنيات أقل استهلاكًا.

وسياسات تجعل الثروة تنتشر دون أن يتحول كل تحسن في الحياة إلى طن جديد من المواد ودرجة جديدة من الحرارة.

وربما هذا هو السؤال الحقيقي الذي سيحدد القرن الحادي والعشرين.

ليس:

هل يستطيع بقية العالم أن يدخل نادي المليار الذهبي؟

بل:

هل نستطيع بناء عالم لا يحتاج أصلًا إلى نادي صغير لكي يعيش الإنسان حياة جيدة؟

المصادر والمراجع

  • World Inequality Lab — World Inequality Report 2026.
  • World Bank Group — Poverty and Inequality Update, Fall 2025.
  • World Bank Group — Poverty, Prosperity, and Planet Report.
  • United Nations Environment Programme and International Resource Panel — Global Resources Outlook 2024.
  • United Nations Environment Programme — Food Waste Index Report 2024.
  • Food and Agriculture Organization of the United Nations, IFAD, UNICEF, World Food Programme and World Health Organization — The State of Food Security and Nutrition in the World 2025.
  • International Energy Agency — World Energy Outlook 2025.
  • World Health Organization and UNICEF Joint Monitoring Programme — Progress on Household Drinking Water, Sanitation and Hygiene 2000–2024.
  • Intergovernmental Panel on Climate Change — Sixth Assessment Report, Working Group III: Mitigation of Climate Change.
  • United Nations Development Programme — Human Development Report 2025.
  • Amartya Sen — Poverty and Famines: An Essay on Entitlement and Deprivation.
  • Branko Milanović — Global Inequality: A New Approach for the Age of Globalization.
  • Thomas Piketty — Capital and Ideology.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top