تدمر — المدينة التي وقفت بين روما وفارس
في قلب الصحراء السورية، حيث يبدو أن الماء هو الشيء الذي يقرر من يستطيع البقاء ومن يجب أن يواصل السير، قامت مدينة فعلت العكس.
جعلت الآخرين يأتون إليها.
قوافل من الشرق.
وتجار من الغرب.
وأقمشة.
وتوابل.
وعاج.
ولآلئ.
وأحجار كريمة.
وعقود.
ولغات.
وآلهة.
وجنود.
كانت تدمر واحة.
لكن الواحة وحدها لا تفسر المدينة.
ففي القرنين الأول والثاني للميلاد تحولت إلى واحدة من أغنى مدن المشرق الروماني وأكثرها تميزًا.
تبني المعابد على الطريقة التي تعرفها…
لكن بأعمدة رومانية.
وتكتب النقوش بالآرامية…
وباليونانية إلى جوارها.
وتعيش داخل المجال السياسي لروما…
لكن تجارتها تنظر شرقًا إلى الفرات والخليج وبلاد فارس وما وراءها.
ثم، في القرن الثالث، حدث ما لم يكن متوقعًا.
المدينة التي ازدهرت لأنها عاشت بين إمبراطوريتين أصبحت قوية بما يكفي لتدخل لعبة الإمبراطوريات نفسها.
ظهر أذينة.
ثم زنوبيا.
واتسعت سلطة تدمر حتى مصر وآسيا الصغرى.
للحظة قصيرة بدا أن الواحة قد تصبح مركز دولة تهيمن على جزء ضخم من الشرق.
ثم جاء الإمبراطور أورليان.
وفي سنوات قليلة انتهى الحلم.
لكن تدمر بقيت.
ليس لأن إمبراطوريتها نجت.
بل لأن المدينة تركت سؤالًا أكبر:
كيف يستطيع مكان يقع بين قوتين عظميين أن يحوّل موقعه من خطر…
إلى مصدر ثروة…
ثم من مصدر ثروة إلى طموح سياسي قد يبتلعه؟
قبل روما بقرون
لم تولد تدمر في العصر الروماني.
ورد اسمها في نصوص قديمة تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، ويظهر اسم «تدمر» في تقاليد المنطقة قبل أن يصبح اسم Palmyra شائعًا في المصادر اليونانية واللاتينية.
كانت الواحة موجودة قبل أن تصلها الجحافل الرومانية.
وهذا مهم.
حين ننظر اليوم إلى الأعمدة والمسرح والطرقات الواسعة، يسهل أن نراها مدينة رومانية في الصحراء.
لكن الرومان لم يخلقوا المكان من الصفر.
وجدوا مجتمعًا محليًا له لغته وديانته وشبكاته وعلاقاته.
ثم دخلت العناصر الرومانية واليونانية إلى هذا العالم.
والنتيجة لم تكن نسخة عن روما.
كانت شيئًا تدمرّيًا.
الماء أولًا
الصحراء لا تبني مدينة لأنها تقع على طريق التجارة فقط.
يجب أن يستطيع الناس والدواب البقاء.
وفرت منطقة تدمر مصادر مياه جوفية وينابيع سمحت بنشوء الواحة واستمرار الاستيطان.
الماء هنا كان بنية تحتية قبل أن توجد الشوارع.
ومن دونه لا معنى للطريق التجاري.
القافلة لا تحتاج إلى سوق فقط.
تحتاج إلى ماء.
وعلف.
ومكان آمن.
وأشخاص يعرفون الطريق.
ووسطاء يستطيعون التعامل مع جماعات مختلفة.
حين تجتمع هذه الأشياء في نقطة واحدة، تتحول الواحة إلى مركز.
لم يكن هناك «طريق حرير» واحد
تتكرر صورة قافلة تنطلق من الصين وتسير على طريق طويل واحد حتى روما.
لكن التجارة القديمة لم تعمل بهذه البساطة.
كانت شبكة من الطرق البرية والبحرية.
سلعة تنتقل من تاجر إلى آخر.
ومن ميناء إلى آخر.
ومن قافلة إلى قافلة.
وقد يقطع الحرير مراحل كثيرة قبل أن يصل إلى مستهلك في الإمبراطورية الرومانية.
تدمر كانت عقدة داخل هذه الشبكة.
ترتبط غربًا بالموانئ والمدن السورية والمتوسط.
وشرقًا بالفرات والعراق والخليج وطرق تتصل ببلاد فارس والهند ومناطق أبعد.
لم يكن التاجر التدمري يحتاج إلى الوصول إلى الصين لكي يستفيد من تجارة الحرير.
يكفي أن يكون في النقطة التي تمر فيها السلعة.
التجارة تحتاج إلى الأمن
القافلة التي تحمل بضائع ثمينة عبر الصحراء هدف مغرٍ.
لذلك لم يكن نجاح تدمر مجرد نتيجة للموقع.
كان بحاجة إلى تنظيم.
رجال يقودون القوافل.
وآخرون يؤمنون الطريق.
وأسر تملك رأس المال.
وشبكات في المدن البعيدة.
ونظام محلي يعترف بالعقود والمصالح.
تظهر النقوش التدمرية أسماء أشخاص كُرّموا بسبب خدماتهم للقوافل والتجار.
أي أن حماية التجارة لم تكن وظيفة هامشية.
كانت من أساس المكانة الاجتماعية والسياسية.
من يحمي الطريق…
يساعد المدينة كلها على أن تصبح أغنى.
المدينة التي عاشت من الوساطة
لم تكن تدمر تنتج كل السلع التي جعلتها غنية.
قوتها كانت في الوساطة.
وهذه فكرة اقتصادية عميقة.
قد تكون أغنى نقطة في السلسلة ليست المكان الذي ينتج السلعة…
بل المكان الذي يربط المنتج بالمشتري.
تأمين.
ونقل.
وتمويل.
وضرائب.
ومخازن.
وعلاقات.
ومعلومات.
التاجر يحتاج إلى معرفة سعر السلعة في مدينة أخرى.
وأي طريق آمن.
ومن يحكم المنطقة.
وأي عملة تُقبل.
أي أن التجارة ليست حركة أشياء فقط.
هي حركة معرفة أيضًا.
والمدينة التي تملك المعلومات تملك قوة لا تظهر في القافلة نفسها.
روما تدخل الصورة
في القرن الأول للميلاد أصبحت تدمر ضمن المجال الروماني بصورة أوضح، وارتبطت بمقاطعة سوريا.
لكن إدماجها في الإمبراطورية لم يلغِ استقلالها المحلي دفعة واحدة.
بقيت لها مؤسسات مدنية ونخب محلية وتقاليدها الخاصة.
وهذا أحد أسرار المدن الشرقية داخل الإمبراطورية الرومانية.
روما لم تحكم كل مكان بالطريقة نفسها.
تركت في كثير من الحالات مجالًا واسعًا للمدن والنخب المحلية ما دامت الضرائب والاستقرار والولاء السياسي قائمًا.
تدمر استفادت من هذا التوازن.
رومانية سياسيًا بدرجات متزايدة.
محلية اجتماعيًا وثقافيًا.
ومتجهة اقتصاديًا إلى أكثر من عالم.
الآرامية واليونانية
لو أردنا تلخيص تدمر في حجر واحد، ربما نختار نقشًا ثنائي اللغة.
آرامية تدمرية.
ويونانية.
كانت الآرامية لغة المجتمع المحلي الأساسية، وطور التدمريون شكلًا كتابيًا خاصًا بها.
أما اليونانية فكانت لغة واسعة الاستخدام في المدن والمؤسسات والثقافة العامة في شرق الإمبراطورية الرومانية.
في تدمر ظهرت اللغتان معًا في النقوش العامة.
هذا لا يعني أن كل شخص كان يتحدثهما بالدرجة نفسها.
لكنه يخبرنا أن المدينة اعتادت مخاطبة عالمين.
هناك اسم محلي…
ثم لقب أو صيغة يونانية.
إله محلي…
داخل بناء يحمل عناصر معمارية يونانية رومانية.
مرة أخرى:
الحدود الثقافية لم تكن جدرانًا.
وحتى اللاتينية كانت موجودة
اللاتينية، لغة السلطة العسكرية والإدارية الرومانية، ظهرت كذلك في بعض النقوش، خصوصًا في سياقات مرتبطة بالحضور الروماني.
لكنها لم تطغَ على الآرامية واليونانية.
هذه نقطة مهمة لفهم الإمبراطورية.
أن تكون رومانيًا سياسيًا لم يكن يعني أن تتوقف فورًا عن التحدث بلغتك المحلية.
الإمبراطورية كانت متعددة اللغات.
وروما نفسها اعتمدت على هذا التنوع أكثر مما حاولت القضاء عليه.
تعرفة تدمر
في سنة 137 ميلادية أصدر مجلس المدينة نصًا ضريبيًا شهيرًا نُقش باليونانية والآرامية.
يُعرف عادة باسم «تعرفة تدمر».
لفترة طويلة قُدمت أحيانًا كما لو كانت قائمة ضرائب على القوافل الدولية الكبرى.
لكن الدراسات الحديثة توضح أن النص يتعلق أساسًا برسوم محلية على سلع وخدمات تدخل المدينة أو تخرج منها، وعلى أنشطة تجارية داخلها.
ومع ذلك فهو كنز تاريخي.
لأنه يخبرنا أن المدينة كانت تمتلك مجلسًا.
وقوانين.
وجباة.
وتجارًا يدخلون في نزاعات حول الرسوم.
وسلطة تريد أن تجعل القواعد معلنة.
حتى المدينة التي نحب أن نراها أسطورة صحراوية كانت تعاني شيئًا مألوفًا جدًا:
خلافات الضرائب.
التاجر لا يريد الشعر… يريد قاعدة واضحة
النقش الضريبي يكشف شيئًا عن سبب ازدهار المدن.
التجارة تحتاج إلى التوقع.
إذا لم يعرف التاجر كم سيدفع غدًا، ترتفع المخاطرة.
وإذا كان الجابي يستطيع أن يطلب ما يريد، تصبح الطريق أقل جاذبية.
تثبيت الرسوم على حجر عام ليس إجراءً إداريًا مملًا.
إنه جزء من صناعة الثقة.
الاقتصاد لا يقوم على القوافل فقط.
يقوم على القانون الذي يخبر صاحب القافلة ماذا سيحدث عندما يصل.
الأعمدة ليست مجرد زينة
يمتد الشارع المعمد الكبير في تدمر لمسافة تقارب الكيلومتر أو تزيد بحسب حدود القياس المعتمدة.
كان محورًا ضخمًا يربط أجزاء المدينة ومعالمها.
لكن الأعمدة ليست فقط منظرًا كلاسيكيًا جميلًا.
كثير منها حمل قواعد لتماثيل رجال ونساء من نخبة المدينة.
النقوش الموجودة عليها تخبرنا بمن دفع.
ومن تبرع.
ومن خدم القوافل.
ومن تولى منصبًا.
المدينة كتبت نظامها الاجتماعي على الشارع.
يمشي الناس بين صور من موّلوا المكان.
الثروة تتحول إلى حجر.
والحجر يتحول إلى سمعة.
لماذا ينفق التاجر على معبد؟
لأن الثروة في المدن القديمة لم تكن شأنًا خاصًا بالكامل.
النخبة تمول مبنى.
أو احتفالًا.
أو منشأة عامة.
ثم تحصل على التكريم.
تمثال.
ونقش.
ومكانة.
هذا النظام، الذي يسميه الباحثون أحيانًا «الإحسان المدني»، كان شائعًا في المدن اليونانية والرومانية.
لكن تدمر أعطته طابعها الخاص.
التاجر الذي عاد من رحلة ناجحة لا يحتفظ بكل المكسب خلف باب منزله.
جزء منه يمكن أن يتحول إلى عمود أو معبد أو احتفال.
وهكذا تتحول التجارة إلى مدينة.
معبد بل
كان معبد بل من أهم منشآت تدمر الدينية.
اكتمل جزء أساسي منه في القرن الأول للميلاد، وإن استمر تطوير المجمع بعد ذلك.
تصميمه مثال ممتاز على المزج التدمري.
ساحة واسعة تحيط بها أروقة.
وعناصر معمارية متأثرة بالعمارة اليونانية الرومانية.
لكن تنظيم الحرم وبعض خصائصه الدينية والزخرفية يعكس تقاليد شرقية ومحلية أيضًا.
الإله بل نفسه مرتبط بعالم ديني سامي ورافدي أوسع.
تدمر لم تحتج إلى الاختيار بين الشرق والغرب.
وضعت الاثنين في المعبد نفسه.
بعلشمين
كان بعلشمين أيضًا من الآلهة المهمة في تدمر.
اسمه يعني تقريبًا «رب السماوات» في السياقات السامية الشمالية الغربية.
إلى جانب آلهة أخرى محلية وإقليمية، شكّل جزءًا من عالم ديني متعدد.
عندما ننظر إلى تدمر لا ينبغي أن نبحث عن «الدين التدمري» كما لو كان عقيدة مركزية واحدة.
المجتمع القديم كان يعرف آلهة وطقوسًا وارتباطات عائلية وقبلية ومدينية متعددة.
وكانت طرق التجارة نفسها تساعد على انتقال الرموز الدينية كما تنقل السلع.
الإله يسافر مع التاجر
التاجر لا يترك معتقداته عند باب المدينة.
يحملها معه.
وقد ينشئ معبدًا.
أو ينضم إلى جماعة دينية.
أو يخصص نقشًا لإله.
ولهذا تكشف المدن التجارية غالبًا تنوعًا دينيًا واسعًا.
التجارة تنقل أكثر من الفلفل والحرير.
تنقل أسماء الآلهة.
وصورهم.
وطقوسهم.
وقصصهم.
تدمر كانت سوقًا للأشياء…
وممرًا للأفكار أيضًا.
المقابر تتحدث
خارج المدينة القديمة تمتد مقابر ضخمة.
بعضها أبراج جنائزية.
وبعضها قبور تحت الأرض.
وغيرها أشكال معمارية مختلفة تطورت عبر الزمن.
داخلها ظهرت التماثيل النصفية الجنائزية الشهيرة التي تصور المتوفين.
رجل بثياب ومظاهر مكانة.
امرأة بحلي وملابس مفصلة.
نقش يحمل الاسم والنسب.
هذه الوجوه هي أحد أغنى مصادرنا لفهم المجتمع التدمري.
فالمدينة لم تكتب تاريخ ملوك فقط.
تركت آلاف الأسماء.
المرأة على الحجر
الصور الجنائزية التدمرية للنساء لافتة.
الحلي.
وأغطية الرأس.
والملابس.
وتفاصيل الأصابع والقلائد.
لكن علينا الحذر من قراءة الصورة كما لو كانت صورة فوتوغرافية للحياة اليومية.
التمثال الجنائزي تمثيل اجتماعي.
يظهر كيف أرادت الأسرة أن يتذكر الناس المتوفاة.
الثروة.
والنسب.
والاحتشام.
والمكانة.
والهوية.
الموت نفسه يصبح عرضًا اجتماعيًا.
القبر يقول:
نحن كنا هنا.
ونحن عائلة لها اسم.
الأسرة أهم من الفرد وحده
تكشف النقوش التدمرية تكرار النسب والعائلات.
هذا مجتمع كانت فيه القرابة جزءًا مهمًا من التنظيم الاجتماعي والاقتصادي.
التجارة بعيدة المدى تحتاج إلى الثقة.
وفي عالم لا توجد فيه شركة مساهمة حديثة أو بنك عالمي، يمكن للعائلة والشبكة القرابية أن تؤدي دورًا بالغ الأهمية.
قريب في تدمر.
وشريك في مدينة أخرى.
وتاجر على الطريق.
وممثل في ميناء.
هكذا يمكن للعائلة أن تصبح مؤسسة اقتصادية عابرة للمسافات.
التدمريون خارج تدمر
وجدت نقوش وتجمعات تدمرية في أماكن بعيدة عن الواحة نفسها.
في دورا أوروبوس على الفرات.
وفي مناطق أخرى من الشرق.
وحتى في أجزاء من أوروبا الرومانية.
وصل أفراد من تدمر إلى الجيوش والتجارة والمراكز الإمبراطورية.
وهذا يوضح أن المدينة لم تكن مجرد محطة تستقبل الغرباء.
كانت ترسل أبناءها أيضًا.
تدمر نفسها أصبحت شبكة.
روما وفارس
هنا نصل إلى المشكلة التي ستغير مصيرها.
ازدهرت تدمر على طرق تربط عالمين كبيرين:
الإمبراطورية الرومانية غربًا.
والقوى الإيرانية شرقًا.
في البداية كانت الإمبراطورية الفرثية.
ثم في القرن الثالث ظهرت الدولة الساسانية الأكثر مركزية وطموحًا.
حين تكون التجارة مستقرة، الموقع بين الإمبراطوريتين كنز.
لكن عندما تتحول الحدود إلى حرب…
يصبح الكنز خطرًا.
الطريق التجاري يصبح طريق جيش.
الساسانيون يغيرون التوازن
في سنة 224 تقريبًا أسس أردشير الأول الدولة الساسانية بعد إسقاط آخر ملوك الفرثيين.
تبنى الساسانيون مشروعًا سياسيًا قويًا.
وتصاعدت الحروب بينهم وبين روما.
وفي عهد شابور الأول حققت الدولة الساسانية انتصارات كبيرة.
دخلت جيوشها إلى مناطق رومانية في الشرق.
وفي سنة 260 حدث شيء صادم:
أُسر الإمبراطور الروماني فاليريان نفسه على يد شابور.
إمبراطور روماني في الأسر.
كانت لحظة إذلال هائلة لروما.
وفراغًا خطيرًا في الشرق.
وهنا يظهر أذينة
كان أذينة، أو أوديناتوس في الصيغ اليونانية واللاتينية، أحد أهم رجال تدمر في منتصف القرن الثالث.
ينتمي إلى نخبتها الثرية.
وحمل ألقابًا ومكانة متزايدة في النظام الروماني.
بعد كارثة أسر فاليريان، تحرك أذينة ضد الساسانيين.
استطاع أن يحقق نجاحات عسكرية مهمة ويعيد قدرًا من السيطرة الرومانية في الشرق.
هاجم القوات الفارسية ووصل في حملاته إلى مناطق قريبة من العاصمة الساسانية قطسيفون.
بالنسبة إلى روما المنهكة، أصبح رجل تدمر حليفًا لا يمكن الاستغناء عنه.
هل كان أذينة ملكًا مستقلًا؟
الصورة أكثر تعقيدًا.
حمل ألقابًا ملكية في البيئة المحلية والشرقية.
وفي الوقت نفسه عمل داخل الإطار الروماني وحصل على ألقاب وصلاحيات من الإمبراطور.
لم يعلن ببساطة انفصال تدمر عن روما.
على العكس، كثير من نجاحه جاء من تقديم نفسه حاميًا للشرق الروماني.
هذا التوازن مهم لفهم ما ستفعله زنوبيا لاحقًا.
قوة تدمر لم تبدأ بثورة على روما.
بدأت لأن روما نفسها احتاجت إليها.
عندما تضعف الإمبراطورية تظهر الأطراف
في القرن الثالث الميلادي مرت روما بأزمة عميقة.
أباطرة يتغيرون بسرعة.
حروب أهلية.
غزوات.
ضغوط اقتصادية.
وانفصالات إقليمية.
في الغرب ظهرت «الإمبراطورية الغالية» لفترة.
وفي الشرق صعدت تدمر.
حين يضعف المركز، لا يختفي النظام كله بالضرورة.
قد تظهر مراكز إقليمية تقول:
نحن نستطيع إدارة المنطقة أفضل من العاصمة البعيدة.
أذينة كان أحد هؤلاء.
لكن قصته انتهت فجأة.
اغتيال
قُتل أذينة وابنه الأكبر هيروديان في أواخر ستينيات القرن الثالث، غالبًا سنة 267 أو 268.
تختلف المصادر القديمة في التفاصيل وفي هوية القاتل ودوافعه.
وبعضها يحمّل شخصيات مختلفة المسؤولية.
ظهرت لاحقًا روايات تلقي ظلالًا حتى على زنوبيا نفسها.
لكن لا يوجد دليل حاسم يثبت أنها دبرت اغتياله.
وهنا يجب أن نتوقف.
القصة التي تجعل الزوجة الطموحة تتخلص من زوجها قبل أن تستولي على الحكم مغرية جدًا.
وذلك بالضبط سبب حاجتنا إلى الحذر.
الدراما ليست دليلًا.
زنوبيا
بعد موت أذينة أصبح ابنه الصغير وهب اللات، المعروف في المصادر اللاتينية باسم Vaballathus، وريث السلطة.
وكانت أمه زنوبيا الوصية عليه والحاكم الفعلي.
من هنا تبدأ أشهر مرحلة في تاريخ تدمر.
لكن زنوبيا لم تظهر من فراغ.
ورثت نظامًا عسكريًا وسياسيًا بناه أذينة.
قوات.
ونفوذًا إقليميًا.
ومكانة داخل الشرق الروماني.
وتدمر غنية.
إذن حين بدأت التوسع، كانت تقف على قاعدة موجودة أصلًا.
ما اسمها أصلًا؟
تظهر زنوبيا في النقوش والأسماء بصيغ متعددة.
ومن أشهر أسمائها التدمرية «بت زباي» أو صيغ قريبة بحسب قراءة النقوش.
أما الاسم اليوناني واللاتيني Zenobia فهو الذي اشتهرت به عالميًا.
وحملت ألقابًا ملكية وإمبراطورية في مراحل مختلفة.
الاسم نفسه يكشف العالم الذي عاشت فيه.
امرأة يمكن أن تظهر بصيغة آرامية محلية…
وتدخل التاريخ عبر اليونانية واللاتينية.
هل كانت كليوباترا جديدة؟
ربطت تقاليد لاحقة زنوبيا بكليوباترا ومصر وبأنساب ملكية قديمة.
وربما استخدمت زنوبيا نفسها أو دائرتها السياسية نسبًا رمزيًا يرفع مكانتها.
لكن كثيرًا مما يروى عن أصولها الأسطورية يصعب إثباته.
لم نعد بحاجة إلى جعلها سليلة كليوباترا لكي نفهم قوتها.
كانت حاكمة مدينة ثرية.
تقود نظامًا عسكريًا.
وتدير سياسة وسط أزمة إمبراطورية.
هذا يكفي.
مصر
نحو سنة 269 أو 270 دخلت القوات التدمرية مصر.
السيطرة على مصر كانت خطوة هائلة.
ليست مقاطعة عادية.
هي أحد أهم مخازن الحبوب في الإمبراطورية.
وموقع استراتيجي بالغ القيمة.
بعد مصر توسعت السلطة التدمرية إلى أجزاء من آسيا الصغرى.
لفترة قصيرة أصبح نفوذ زنوبيا يمتد على مساحة ضخمة من الشرق الروماني.
هنا لم تعد تدمر مجرد حليف محلي يدافع عن الحدود.
أصبحت قوة إقليمية مستقلة فعليًا بدرجة متزايدة.
هل أعلنت زنوبيا استقلالها منذ البداية؟
ليس بهذه السهولة.
تظهر النقود والألقاب مرحلة من الغموض السياسي.
في البداية استمرت بعض الصيغ التي تعترف بالإمبراطور الروماني، بينما حمل وهب اللات ألقابًا متزايدة.
ثم أصبحت المطالبة أكثر وضوحًا.
ظهر وهب اللات بصفة إمبراطور.
وزنوبيا بلقب Augusta، المقابل الإمبراطوري الأنثوي في التقليد الروماني.
كأن الانفصال لم يحدث في لحظة واحدة.
تدرج.
قوة محلية.
ثم شراكة شبه مستقلة.
ثم منافسة على الشرعية.
لماذا توسعت؟
لا نملك بيانًا سياسيًا من زنوبيا يشرح كل أهدافها.
وهذه نقطة يجب ألا نخفيها.
هل أرادت بناء إمبراطورية مستقلة مركزها تدمر؟
هل اعتقدت أنها تحمي الشرق في وقت عجزت فيه روما؟
هل كانت تسعى للسيطرة على الإمبراطورية الرومانية نفسها عبر ابنها؟
هل تغيرت أهدافها مع اتساع نجاحاتها؟
يناقش الباحثون هذه الاحتمالات.
أفضل إجابة هي أن الطموح التدمري تطور داخل أزمة رومانية متغيرة.
السياسة لا تبدأ دائمًا بخطة نهائية مكتوبة.
أحيانًا يتحرك الحاكم خطوة…
ثم يكتشف أن الخطوة التالية أصبحت ممكنة.
أورليان
في سنة 270 أصبح أورليان إمبراطورًا رومانيًا.
كان جنديًا قويًا وصل إلى الحكم في مرحلة احتاجت إلى إعادة توحيد الإمبراطورية.
لم يكن مستعدًا لترك الشرق تحت سلطة تدمر.
تحرك بجيشه سنة 272.
استعاد مدنًا ومناطق في آسيا الصغرى.
ثم دخل سوريا.
دارت معارك حاسمة قرب أنطاكية وإمسا.
انهزمت القوات التدمرية.
تراجعت زنوبيا إلى تدمر.
الحصار
وصل أورليان إلى المدينة.
وحوصرت تدمر.
تقول الروايات القديمة إن زنوبيا حاولت الهرب شرقًا لطلب المساعدة من الفرس، وأُسرت قرب الفرات.
التفاصيل تختلف.
لكن نهاية السلطة التدمرية الكبرى كانت واضحة.
استسلمت المدينة.
أُخذت زنوبيا أسيرة.
وانتهت الإمبراطورية القصيرة.
أورليان استعاد الشرق.
هل دمّر أورليان تدمر فورًا؟
ليس في البداية بالصورة التي تُروى أحيانًا.
بعد استسلام سنة 272 تعامل أورليان مع المدينة بدرجة من التساهل النسبي مقارنة بما كان يمكن أن يفعله.
لكن في السنة التالية اندلع تمرد جديد في تدمر.
وعندها عاد الرد الروماني أشد قسوة.
تعرضت المدينة للنهب والتخريب.
وانتهى الدور السياسي الذي جعلها تنافس روما.
لكن تدمر لم تختف.
وهذه نقطة مهمة.
وماذا حدث لزنوبيا؟
هنا يدخل التاريخ مرة أخرى منطقة الروايات.
تقول مصادر رومانية متأخرة إن أورليان عرض زنوبيا في موكب نصره في روما مكبلة بالذهب، ثم سمح لها بالعيش في فيلا قرب تيبور، وربما تزوجت وعاشت حياة أرستقراطية.
الرواية مشهورة.
لكن مصير زنوبيا بعد الأسر غير موثق بما يكفي لإغلاق النقاش.
هناك روايات أخرى عن موتها.
ولهذا فإن صورة الملكة التي قضت بقية حياتها سيدة رومانية محترمة ممكنة، لكنها ليست حقيقة يقينية بدرجة تفاصيل أسرها وسقوط سلطتها.
القيود الذهبية
من أجمل الصور الأدبية المرتبطة بزنوبيا أنها دخلت موكب أورليان مقيدة بسلاسل من الذهب.
لكن كلما أصبحت الصورة أكثر ملاءمة لأسطورة الملكة، وجب أن نسأل عن مصدرها.
المؤرخون الرومان كتبوا عنها بعد الأحداث وبأغراض أدبية وسياسية متعددة.
وتحوّلت زنوبيا في الذاكرة اللاحقة إلى نموذج للملكة الشرقية الجميلة والطموحة.
وفي أوروبا الحديثة أصبحت موضوعًا للرسم والأوبرا والأدب.
يجب ألا نخلط هذه الزنوبيا…
بالمرأة التي نستطيع إثباتها من النقوش والنقود والمصادر الأقرب إلى عصرها.
لم تكن تدمر «مملكة زنوبيا» طوال تاريخها
هذه نقطة جوهرية.
حين يسمع كثيرون اسم تدمر يفكرون في زنوبيا.
لكن عصرها السياسي الكبير لم يستمر سوى سنوات قليلة.
أما ازدهار تدمر التجاري والثقافي فسبقها بقرون.
المعابد.
والعائلات التجارية.
والشارع المعمد.
والمقابر.
والنقوش الثنائية.
كلها جزء من قصة أوسع بكثير.
زنوبيا هي النهاية الدرامية لمرحلة الازدهار…
وليست بدايتها.
المدينة التي صنعت الملكة أهم من الملكة وحدها
لو لم تكن هناك ثروة تجارية…
وشبكات قوافل…
ونخب محلية…
ومؤسسات…
وقوة عسكرية نشأت خلال أزمة الحدود…
لما استطاعت زنوبيا أن تحكم ما حكمته.
الشخصية التاريخية الكبيرة تستطيع أن تجعلنا ننسى البنية التي حملتها.
لكن الحاكم لا يقود الصحراء وحده.
وراءه جنود.
ومال.
ومدن.
وتجار.
وموظفون.
وعائلات.
تاريخ زنوبيا هو أيضًا تاريخ آلاف الأشخاص الذين لا نعرف أسماءهم.
بعد زنوبيا
استمرت تدمر في العصر الروماني المتأخر.
استخدمت بوصفها موقعًا عسكريًا واستراتيجيًا.
وأعيد تنظيم أجزاء منها.
وفي عصر دقلديانوس أُنشئت أو أعيدت تهيئة منشآت عسكرية كبيرة في المدينة.
دخلت المسيحية المنطقة مع تحول الإمبراطورية تدريجيًا.
وتحولت بعض المعابد أو مناطق منها إلى استخدامات جديدة في الفترات البيزنطية.
ثم جاءت الفتوحات الإسلامية في القرن السابع.
مرة أخرى لم تختف المدينة فور تغير الإمبراطورية.
المكان يسبق الدول…
ويبقى بعدها.
تدمر الإسلامية
بعد الفتح الإسلامي استمرت تدمر مأهولة بدرجات مختلفة.
ورد اسمها في المصادر الجغرافية والتاريخية العربية.
واستخدمت بعض منشآتها القديمة في الحياة اللاحقة.
وتشكلت قرية داخل منطقة معبد بل في فترات متأخرة.
بالنسبة إلى السكان لم تكن الأعمدة «موقعًا أثريًا».
كانت جزءًا من المكان الذي يعيشون فيه.
وهذا فرق مهم.
الأثر لا يولد أثرًا.
في البداية يكون مبنى.
ثم يشيخ.
ثم يستخدم بطريقة أخرى.
ثم يأتي عصر جديد ويقرر أن ما يراه «تراث».
الرحالة الأوروبيون
منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر وصلت أخبار ورسومات تدمر إلى أوروبا بصورة أوسع.
أثرت أطلالها في الخيال الأوروبي والعمارة الكلاسيكية الحديثة.
المدينة التي بنتها ثقافات متعددة أصبحت بعد قرون جزءًا من الطريقة التي تخيل بها الأوروبيون «الشرق الكلاسيكي».
مرة أخرى تغير معنى المكان.
بالنسبة إلى التدمري القديم:
مدينة حية.
بالنسبة إلى الرحالة الحديث المبكر:
عجب صحراوي.
بالنسبة إلى عالم الآثار:
موقع للدراسة.
وبالنسبة إلى السوري الحديث:
جزء من تاريخ بلاده.
المكان نفسه…
لكن النظرة تتغير.
فك الخط التدمري
ساعدت النقوش الثنائية في تدمر الباحثين الأوروبيين في القرن الثامن عشر على فك الأبجدية التدمرية.
في سنة 1754 تمكن جان جاك بارتليمي من الوصول إلى قراءة ناجحة للنص اعتمادًا على مقارنة الأسماء بين اليونانية والتدمرية.
قبل حجر رشيد بعقود.
هذه قصة جميلة في تاريخ فك اللغات.
حين يكتب مجتمع قديم النص نفسه بلغتين، قد يترك من دون قصد مفتاحًا لجيل سيأتي بعد ألف سنة.
التعدد اللغوي الذي كان وسيلة عملية في المدينة…
أصبح أداة لإنقاذ صوتها بعد موتها.
ماذا قالت النقوش؟
قالت أكثر مما تقوله كتب الملوك.
من بنى.
ومن دفع.
ومن كان والده.
ومن تولى منصبًا.
ومن قاد قافلة.
ومن مات.
وأحيانًا من كانت أسرته.
لهذا أصبحت تدمر واحدة من أفضل المدن القديمة لدراسة المجتمع المحلي عبر النقوش.
الرومان كتبوا عن زنوبيا.
أما التدمريون فكتبوا أسماءهم على الحجر.
وهؤلاء يمنحوننا مدينة مختلفة.
أقل درامية.
وأكثر حياة.
1980
أُدرج موقع تدمر على قائمة التراث العالمي لليونسكو سنة 1980.
اعترفت المنظمة بقيمته الاستثنائية بوصفه نقطة التقاء بين تقاليد محلية ويونانية رومانية وفارسية.
الصفة مناسبة جدًا.
«ملتقى».
تدمر لم تكن عظيمة لأنها كانت رومانية.
ولا لأنها كانت شرقية.
كانت عظيمة لأنها استطاعت أن تكون الاثنين…
وأشياء أخرى…
في الوقت نفسه.
ثم جاءت الحرب إلى الآثار مرة أخرى
مع الحرب السورية دخلت تدمر مرحلة جديدة من الخطر.
أُدرج الموقع سنة 2013 على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر.
وفي 2015 سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على المدينة القديمة.
لم تكن المرة الأولى التي يصل فيها العنف إلى تدمر.
لكن وسائل التدمير الحديثة أعطت المشهد حجمًا جديدًا.
خالد الأسعد
ارتبط اسم عالم الآثار السوري خالد الأسعد بتدمر لعقود.
عمل مديرًا لآثارها وخبيرًا بتاريخها.
في أغسطس 2015 قتله تنظيم الدولة الإسلامية بعد أسره.
أصبح اسمه جزءًا من قصة الموقع نفسه.
هذه نقطة تستحق الوقوف عندها.
حماية التراث تبدو أحيانًا نشاطًا بعيدًا عن الخطر.
صور.
وفهارس.
وتنقيب.
لكن في الحرب يمكن أن يصبح معرفة مكان القطعة الأثرية أو رفض التعاون مع جماعة مسلحة سببًا للموت.
الأثر يحتاج إلى حراس أحياء.
بعلشمين وبل
في أغسطس 2015 فُجر معبد بعلشمين.
ثم تعرض معبد بل لتدمير واسع.
وفُجر القوس التذكاري المعروف بالقوس الثلاثي.
وتضررت أبراج جنائزية وغيرها من المنشآت.
لم يكن التدمير نتيجة قصف عشوائي فقط.
كان استهدافًا متعمدًا لرموز أثرية.
وهنا عاد سؤال قديم بصورة حديثة:
لماذا يخاف إنسان من حجر عمره ألفا سنة؟
الأثر ينافس الرواية
لأن الحجر يقول:
كان هنا عالم قبلك.
وكان مختلفًا عنك.
عبد آلهة أخرى.
وتكلم لغات أخرى.
وبنى مدينة مختلطة التأثيرات.
تقول بعض الأيديولوجيات المتطرفة:
الماضي يجب أن يشبهنا أو يختفي.
أما الأثر فيرفض الطاعة.
لا يستطيع العمود تغيير تاريخه.
ولهذا يصبح تدميره محاولة لجعل الذاكرة أقل تنوعًا.
لكن تدمير المعبد لا يمحو المعبد بالكامل
هذه إحدى مفارقات علم الآثار الحديث.
قبل التفجير كان معبد بل موثقًا بالصور والرسوم والدراسات والقياسات والمسح الرقمي بدرجات مختلفة.
عندما يتدمر الأثر، لا تختفي كل معلوماته.
يمكن دراسة الصور.
ومقارنة الحجارة.
وتحديد أجزاء.
وإعادة بناء نماذج رقمية.
وقد يُرمم جزء من الموقع.
لكن علينا الحذر هنا أيضًا.
إعادة البناء ليست إعادة الزمن.
الحجر الجديد ليس الحجر الذي بقي ألفي سنة.
الترميم يستطيع إنقاذ المعنى والمشهد.
ولا يستطيع إلغاء لحظة التدمير.
هل يجب إعادة بناء كل شيء؟
هذا سؤال حقيقي في علم التراث.
إذا فُجر معبد…
هل نعيده كما كان؟
أم نثبت الأجزاء الأصلية ونترك آثار التدمير ظاهرة؟
كم من الحجر الجديد يمكن أن نضيف قبل أن يصبح الأثر نسخة حديثة؟
ما مقدار اليقين في شكل الجزء المفقود؟
لا توجد إجابة واحدة تصلح لكل موقع.
تدمر ليست مجرد مشروع هندسي.
كل قرار في إعادة البناء هو قرار حول كيفية تذكر الحرب أيضًا.
المدينة الجديدة بجوار القديمة
تدمر ليست فقط الأطلال.
هناك مدينة حديثة اسمها تدمر أيضًا.
وسكان عاشوا الحرب والنزوح والعودة والخسارة.
أحيانًا ينظر العالم إلى الموقع الأثري وينسى المجتمع المعاصر المحيط به.
لكن التراث لا يعيش وحده.
العمود يحتاج إلى مدينة آمنة.
وعالم آثار.
وعامل صيانة.
وطريق.
وزائر.
وقانون.
ومجتمع يرى أن الموقع يخصه.
إذا رممنا المعبد ونسينا الناس، لا نكون قد أعدنا تدمر حقًا.
لماذا أصبحت زنوبيا رمزًا؟
لأن قصتها تحتوي كل ما تحتاج إليه الأسطورة.
ملكة.
وصحراء.
وجمالًا تنسبه إليها المصادر.
وطموحًا.
وروما.
وحربًا.
وهزيمة.
وأسرًا.
إنها شخصية مثالية للرسم والرواية والمسرح.
وفي القرون الحديثة أصبحت رمزًا بطرق مختلفة:
للأنوثة القوية.
وللاستقلال.
وللهوية السورية.
وللمقاومة في بعض القراءات.
وللطموح الخطير في قراءات أخرى.
لكن كل عصر أعاد بناء زنوبيا بحسب احتياجاته.
زنوبيا التاريخية أصعب
لا نملك مذكراتها.
ولا خطبها كما قالتها حرفيًا.
ولا نعرف صوتها.
المصادر الرومانية التي تحدثت عنها ليست محايدة.
بعضها كُتب بعد زمنها.
والنقود والنقوش تمنحنا ألقابًا وقرارات سياسية…
ولا تمنحنا الشخصية الداخلية.
حين نقول:
كانت تحلم بكذا.
أو كانت تشعر بكذا.
فنحن نقترب من الرواية أكثر من التاريخ.
الأفضل أن نحافظ على المرأة التي نعرفها:
حاكمة استغلت أو تعاملت مع أزمة رومانية.
وسعت سلطة تدمر.
سيطرت على مصر وأقاليم واسعة.
تبنت ألقابًا إمبراطورية.
ثم هُزمت أمام أورليان.
هذا وحده استثنائي.
هل كانت ثورتها قومية سورية؟
لا.
على الأقل ليس بالمعنى الحديث.
القومية السورية مفهوم حديث لا يمكن إسقاطه مباشرة على القرن الثالث.
زنوبيا لم تكن تقود «حركة تحرر وطني سورية» بالمفهوم الذي ظهر بعد قرون طويلة.
كانت تعمل داخل عالم روماني وشرقي من المدن والنخب والأسر والإمبراطوريات.
هذا لا يمنع أن تصبح لاحقًا رمزًا وطنيًا.
لكنه يفرض الفصل بين:
زنوبيا التاريخية.
وزنوبيا التي بنتها الذاكرة الحديثة.
كلاهما موضوع مهم.
لكن ليسا الشخص نفسه.
وهل كانت عربية؟
تستخدم الروايات الحديثة أوصافًا عرقية مختلفة لزنوبيا والتدمريين.
لكن هويات العالم القديم لا تتطابق بسهولة مع قومياتنا الحديثة.
تدمر مجتمع سامي محلي يتحدث الآرامية، وله صلات قبلية وثقافية عربية وآرامية ومشرقية، ويعيش داخل عالم يوناني روماني واسع.
الأسماء والآلهة والعلاقات تكشف تداخلًا كبيرًا.
محاولة إجبار كل شخص في تدمر على خانة قومية حديثة واحدة قد تقول عنا نحن أكثر مما تقول عنهم.
الأكثر دقة:
تدمر مدينة سورية قديمة متعددة التأثيرات، ذات ثقافة محلية سامية مميزة ضمن العالم الروماني الشرقي.
المدينة الهجينة ليست مدينة بلا هوية
أحيانًا نفترض أن الاختلاط الثقافي يعني غياب الهوية.
لكن تدمر تثبت العكس.
التدمريون أخذوا من روما.
ومن العالم الهلنستي.
ومن تقاليد بلاد الرافدين.
ومن العرب والمجتمعات السامية المحيطة.
ومن فارس بدرجات مختلفة.
ومع ذلك عندما ترى تمثالًا جنائزيًا تدمريًا، يستطيع المتخصص غالبًا أن يعرف أنه تدمري.
الاختلاط لم يمح الشخصية.
صنعها.
نحن جميعًا أكثر اختلاطًا مما نعتقد
ربما هذه هي إحدى رسائل تدمر إلى الحاضر.
الحضارات لا تجلس في صناديق مغلقة.
المعبد يتعلم من معمار جاره.
واللغة تستعير.
والتاجر يتزوج.
والجندي يعود بفكرة.
والإله يحصل على اسم جديد في مدينة أخرى.
ثم بعد قرون نأتي نحن ونحاول فصل كل عنصر:
هذا شرقي.
وهذا غربي.
وهذا روماني.
وهذا عربي.
أما المدينة نفسها فلم تكن مضطرة إلى حل هذه المسألة.
كانت تستخدم ما تحتاج إليه.
الإمبراطوريات تحتاج الأطراف
روما لم تكن قوية لأنها حكمت من روما وحدها.
احتاجت إلى مدن مثل تدمر.
تجار.
وجنود.
وزعماء محليين.
ووسطاء.
وحماة طرق.
وحين انهارت قدرتها على حماية الشرق، أعطت أذينة مساحة أكبر.
هذه قاعدة إمبراطورية قديمة:
المركز يحتاج الأطراف لكي يبقى مركزًا.
لكن كلما أصبحت الأطراف أقوى…
يزداد احتمال أن تسأل:
لماذا لا أكون أنا المركز؟
تدمر سألت السؤال
ربما لم تسأله في يوم واحد.
لكن مسارها في القرن الثالث وصل إليه.
أذينة:
نحمي الشرق باسم روما.
زنوبيا في المرحلة الأولى:
ندير الشرق بقوة أوسع.
ثم النقود والألقاب تقول:
نحن نستطيع أن نكون السلطة نفسها.
هناك لحظة يتحول فيها الوكيل إلى منافس.
وهي لحظة يعرفها تاريخ الإمبراطوريات جيدًا.
الموقع الذي صنع ثروة تدمر صنع خطرها
هذه هي المفارقة الجغرافية الكبرى.
وقعت بين روما وفارس.
في زمن السلام:
تجارة.
وفي زمن ضعف فارس أو روما:
فرصة.
وفي زمن الحرب بينهما:
خطر.
الموقع لم يتغير.
الذي تغير هو النظام حوله.
الجغرافيا ليست قدرًا ثابتًا.
الممر التجاري نفسه يمكن أن يكون طريق ذهب في سنة…
وطريق جيش في سنة أخرى.
عندما صار التاجر حاكمًا
نخبة تدمر بنت مكانتها أساسًا من التجارة والخدمة العامة والعلاقات.
لكن في القرن الثالث أصبح لهذه المدينة جيش ونفوذ سياسي واسع.
كأن الثروة التجارية عبر أجيال أنتجت قدرة لم تعد اقتصادية فقط.
المال يمول الحماية.
والحماية تنتج قوة.
والقوة تنتج سلطة.
ثم تسأل السلطة عن حدودها.
من هنا نفهم أن الانتقال من القافلة إلى الإمبراطورية لم يكن سحرًا.
كان تراكمًا.
لكن التجارة لا تحب الإمبراطوريات الصغيرة دائمًا
المشكلة أن نجاح تدمر التجاري اعتمد جزئيًا على قدرتها على الحركة بين نظم أكبر.
عندما تحولت هي نفسها إلى قوة تنازع روما على الأقاليم، تغيرت وظيفتها.
لم تعد الوسيط فقط.
أصبحت طرفًا.
وهذه لحظة خطيرة لكل مركز تجاري.
الوسيط يربح من أن يتعامل مع الجميع.
أما الإمبراطور فيحتاج أن يفرض إرادته على بعضهم.
المدينة ربما تجاوزت الدور الذي صنع ثروتها.
هل كان سقوطها حتميًا؟
لا.
التاريخ لا يسمح بهذا النوع من اليقين.
لو مات أورليان مبكرًا.
أو انتصرت تدمر في معركة.
أو دخلت روما حربًا أهلية أخرى.
أو ساعد الساسانيون زنوبيا بصورة مختلفة…
ربما طال عمر السلطة التدمرية.
لكننا نعرف ما حدث فعلًا.
روما استعادت تماسكًا كافيًا في اللحظة الحاسمة.
وتدمر لم تكن تملك الموارد البشرية والعسكرية لإمبراطورية كاملة على المدى الطويل مثل روما.
نجاحها السريع كان مذهلًا.
لكنه كشف حدودها أيضًا.
المدينة بعد الإمبراطورية
الشيء المثير أن تدمر عاشت بعد فشل مشروعها السياسي.
لو كانت قيمتها كلها مرتبطة بزنوبيا، لانتهت سنة 273.
لكن الموقع بقي.
والطريق بقي.
والجيش الروماني استخدم المنطقة.
والسكان استمروا.
ثم تغيرت الديانات والدول.
هذا يذكرنا بأن تاريخ المدن أكبر من لحظات القصور.
الملك يموت.
والسوق يفتح في الصباح التالي إذا استطاع.
المفارقة
تدمر لم تصبح غنية لأنها تحدت روما.
أصبحت غنية لأنها تعلمت كيف تعيش داخل النظام الروماني وتتاجر عبر حدوده.
ثم جعلتها تلك الثروة والنفوذ قوية إلى درجة استطاعت معها أن تتحدى المركز نفسه.
المعادلة التي صنعت نجاحها ساهمت في صنع أزمتها.
الموقع بين الإمبراطوريات أعطاها التجارة.
ثم أعطاها الحرب.
روما منحت نخبها إطارًا للنمو.
ثم أصبحت تلك النخب قادرة على منافسة روما.
أذينة أنقذ الشرق الروماني.
ثم ورثت أسرته قوة تكاد تفصل الشرق عنه.
وفي النهاية أعاد أورليان المدينة إلى الإمبراطورية…
لكن تدمر لم تعد إلى اللحظة السابقة نفسها.
المدينة التي وقفت بين روما وفارس
إذا وقفنا اليوم أمام الأعمدة، من السهل أن نبحث عن زنوبيا.
لكن ربما ينبغي أن نبحث أولًا عن التاجر.
الرجل الذي يعرف أن قافلة قادمة من الفرات.
والذي يرسل شريكًا إلى مدينة بعيدة.
والذي يدفع ضريبة وفق قانون منقوش بالآرامية واليونانية.
والذي يموّل عمودًا.
ويبني قبرًا لعائلته.
ويعبد إلهًا محليًا داخل معبد يحمل لغة معمارية عالمية.
هذا الإنسان هو الذي صنع تدمر قبل أن تدخل زنوبيا كتب التاريخ.
الملكة جاءت في اللحظة التي أصبحت فيها المدينة قوية بما يكفي لتحلم بشيء أكبر من التجارة.
أما القوة الحقيقية التي بنتها فكانت أكثر هدوءًا.
الماء.
والطريق.
واللغة.
والعقد.
والقافلة.
والثقة.
والقدرة على العيش بين عالمين من دون أن تذوب في أي منهما.
لهذا فإن أعظم درس من تدمر ليس أن ملكة شرقية كادت تهزم روما.
بل أن الحضارات الأكثر إثارة لا تولد دائمًا في المركز.
أحيانًا تولد على الحد.
حيث يضطر الإنسان إلى تعلم لغتين.
والتعامل مع عملتين.
وفهم قوتين.
والصلاة إلى آلهة جاءت من أكثر من اتجاه.
هناك يصبح «بين العالمين» ليس ضعفًا…
بل مهارة.
غير أن المهارة نفسها تحمل خطرًا.
فالمدينة التي تتعلم كيف تربح من الإمبراطوريات قد تنسى للحظة الفرق بين الوسيط والإمبراطور.
وفي القرن الثالث نسيته تدمر.
فكبرت بسرعة مذهلة.
ثم سقط مشروعها السياسي بسرعة مماثلة.
أما المدينة…
فبقيت في الصحراء.
تخبرنا أعمدتها أن روما مرت.
وفارس مرت.
وزنوبيا مرت.
والقوافل اختفت.
لكن المكان الذي صنعته حركة الجميع…
ظل شاهدًا على أن الحدود ليست دائمًا نهاية الحضارة.
أحيانًا تكون بدايتها.
المصادر والمراجع
- UNESCO World Heritage Centre — Site of Palmyra.
- The Metropolitan Museum of Art — Palmyra ضمن معرض The World Between Empires.
- Rubina Raja, ed. — The Oxford Handbook of Palmyra.
- Andrew M. Smith II — Roman Palmyra: Identity, Community, and State Formation.
- Ted Kaizer — The Religious Life of Palmyra.
- Jean-Baptiste Yon — Inscriptions grecques et latines de la Syrie: Palmyre.
- John F. Healey — The Palmyrene Tax Tariff.
- J. F. Matthews — The Tax Law of Palmyra: Evidence for Economic History in a City of the Roman East.
- Michael Sommer — Palmyra: A History.
- Richard Stoneman — Palmyra and Its Empire: Zenobia’s Revolt against Rome.
- Pat Southern — Empress Zenobia: Palmyra’s Rebel Queen.
- Fergus Millar — The Roman Near East, 31 BC–AD 337.
- Warwick Ball — Rome in the East: The Transformation of an Empire.
- الدراسات النقشية للآرامية التدمرية والنقوش الثنائية اليونانية الآرامية.
- UNESCO — تقارير الأضرار التي لحقت بمعبدي بل وبعلشمين وآثار تدمر خلال الحرب السورية.

